في واقعة أثارت صدمة واسعة وأعادت تسليط الضوء على سجل السعودية المروع في قمع الحريات، أعلنت وزارة الداخلية السعودية، السبت، تنفيذ حكم الإعدام بحق الصحفي الشهير تركي الجاسر، وذلك بتهمة “الخيانة العظمى”.

وبحسب البيان الرسمي، فإن الجاسر أُدين بتهم التخابر والتآمر على أمن المملكة مع جهات خارجية، وتلقي أموال بهدف “تمويل أنشطة إرهابية”، وتعريض الأمن الداخلي والوحدة الوطنية للخطر. وتم تنفيذ حكم “القتل تعزيراً” بحقه في العاصمة الرياض.

لكن اللافت أن بيان الداخلية لم يذكر أي تفاصيل عن طبيعة التخابر أو الجهات التي زُعم أن الجاسر تعاون معها، كما لم يوضح السياق الحقيقي لاعتقاله، ما يثير تساؤلات جدية حول مدى مصداقية الرواية الرسمية، في ظل سجل معروف من تلفيق التهم واستخدام القضاء أداة للانتقام السياسي.

اعتقال بلا محاكمة علنية.. ومصير غامض لسنوات

تركي الجاسر، الذي اعتُقل عام 2018، كان صحفياً معروفاً بتغريداته وانتقاداته غير المباشرة للسلطة السعودية، ويُعتقد على نطاق واسع أنه كان يدير حساب “كشكول” على تويتر، الذي كان ينشر معلومات ناقدة للنظام.

وقد كشفت منظمات حقوقية آنذاك أن اعتقال الجاسر جاء بعد أن تعاون مكتب تويتر الإقليمي في دبي مع السلطات السعودية، عبر تسريب بيانات مستخدمين سعوديين معارضين، وهو ما عُدّ سابقة خطيرة في قمع حرية التعبير عبر الفضاء الرقمي.

عقب اعتقاله، اختفى الجاسر قسرياً لأكثر من عامين، وانتشرت أنباء عن وفاته تحت التعذيب داخل أحد سجون جهاز أمن الدولة. إلا أن اتصالاً مفاجئاً أجراه بعائلته في 2020 أعاد الأمل بأنه لا يزال على قيد الحياة، قبل أن تُغلق السلطات ملفه اليوم بتنفيذ حكم الإعدام.

إعدام سياسي في ثوب قانوني

الخطورة في هذه القضية لا تتعلق فقط بكون الجاسر صحفياً، بل في أن إعدامه يمثل تحولاً نوعياً في آليات القمع بالمملكة، حيث لم يُتهم بمحاولة تنفيذ أعمال عنف أو الانتماء لتنظيمات مسلحة – كما هو حال بعض المدانين الآخرين – بل بمجرد “التآمر” و”التخابر” في سياق غير واضح، ما يعني أن التعبير عن الرأي قد أصبح جريمة كبرى يُعاقب عليها بالقتل.

ولم تتوفر أي معلومات عن محاكمة الجاسر، ما إذا كانت سرية، وهل أُتيحت له فرصة الدفاع عن نفسه، أو إن كان محاموه – إن وُجدوا – قادرين على متابعة القضية، وهو ما يثير شبهات قوية بانتهاك معايير العدالة الدولية.

تصعيد دموي في عهد محمد بن سلمان

تنضم هذه الجريمة إلى سلسلة من الانتهاكات والجرائم التي شهدتها المملكة منذ صعود محمد بن سلمان إلى السلطة، حيث استخدمت الدولة القضاء وسيف الإعدام ضد نشطاء، مفكرين، علماء دين، وحتى نساء نادين بإصلاحات.

محمد بن سلمان، الذي يحاول الترويج لصورته كمصلح اجتماعي عبر مشاريع مثل “رؤية 2030″، يواصل نهجاً دموياً في الداخل، حيث تم تنفيذ أكثر من 100 حكم إعدام هذا العام فقط، وفقاً لتقارير حقوقية، شملت حتى قاصرين ومعتقلين سياسيين.

وتمثل حادثة الجاسر تذكيراً دموياً بجريمة قتل الصحفي جمال خاشقجي داخل قنصلية بلاده في إسطنبول عام 2018، وهي الجريمة التي وُجهت فيها اتهامات مباشرة لأقرب مساعدي ولي العهد، وظلت بلا محاسبة حقيقية.

ردود فعل حقوقية غائبة.. وخشية من الصمت الدولي

حتى لحظة كتابة هذا التقرير، لم يصدر رد فعل دولي واسع على إعدام تركي الجاسر، ما يعكس استمرار ما يُعرف بـ”الاستثناء السعودي” في تعامل الغرب مع الانتهاكات، طالما ارتبطت المملكة بالمصالح الاقتصادية وصفقات السلاح والنفط.

في المقابل، بدأت منظمات حقوقية سعودية وعربية بالتنديد بالجريمة، معتبرة أن إعدام الجاسر “عملية تصفية ممنهجة لحرية الصحافة”، ودعت المجتمع الدولي إلى التحرك الفوري لوقف مسلسل القتل تحت غطاء القانون في المملكة.

الصحافة ليست خيانة

تثير هذه الواقعة سؤالاً جوهرياً: هل أصبح العمل الصحفي في السعودية يُعد خيانة عظمى؟ الإجابة التي يكرسها النظام الحالي هي: نعم، إذا خالف الصحفي رواية الدولة.

تُظهر حالة الجاسر بوضوح أن مساحة التعبير عن الرأي، حتى بشكل غير مباشر، لم تعد مقبولة في “السعودية الجديدة” التي يتزعمها محمد بن سلمان، وأن القلم قد يُعدمه السيف، في دولة باتت ترى في كل ناقد مشروع خصم لا يستحق الحياة.

وبينما تنشغل القيادة السعودية بفعاليات ترفيهية كـ”موسم الرياض” أو تنظيم البطولات العالمية، فإنها في الوقت ذاته تقود أبشع حملة قمع في تاريخها الحديث، لا سيما ضد من يملك صوتاً مختلفاً، مهما كان سلمياً أو مهنياً.

في النهاية، لا شك أن إعدام تركي الجاسر سيكون نقطة سوداء إضافية في سجل الرياض، وسيبقى وصمة عار لا يمحوها إعلام مأجور ولا بيانات رسمية غامضة.

اقرأ أيضًا : إيران تهدد بتوسيع الحرب: القواعد الأميركية في مرمى النار