في سابقة قضائية مثيرة للجدل، أصدرت الدائرة الجنائية المختصة بقضايا الإرهاب بالمحكمة الابتدائية في تونس، مساء الجمعة، أحكامًا غيابية بالسجن لمدة 22 عامًا مع النفاذ العاجل بحق الرئيس التونسي الأسبق محمد المنصف المرزوقي، ومستشاره السابق عماد الدائمي، وعميد المحامين السابق عبد الرزاق الكيلاني، إلى جانب متهمين آخرين، في خطوة يرى فيها كثيرون تصعيدًا خطيرًا في مسار ملاحقة المعارضة في عهد الرئيس قيس سعيد، وامتدادًا لنهج السلطوية المتصاعدة في البلاد منذ انقلابه على المؤسسات الدستورية عام 2021.
تأتي هذه الأحكام ضمن سلسلة من القضايا ذات الطابع السياسي التي باتت تُوجه فيها تهم “الإرهاب” لمعاقبة رموز بارزة في المعارضة، ما يكشف — بحسب مراقبين — عن استخدام القضاء كأداة لتصفية الخصوم، وتشويه صورتهم أمام الرأي العام.
وفي ظل غياب المحاكمة العادلة ومواصلة إصدار الأحكام الغيابية، تبرز تساؤلات حقيقية عن استقلالية القضاء التونسي وحياده تحت هيمنة السلطة التنفيذية.

أحكام غيابية.. ورسائل سياسية مضمرة
الملف الذي شمل المرزوقي والدائمي والكيلاني أحيل إلى الدائرة الجنائية المختصة بمكافحة الإرهاب من قبل دائرة الاتهام لدى محكمة الاستئناف، بزعم تورطهم في “أعمال إرهابية”. غير أن غياب أي تفاصيل علنية دقيقة حول طبيعة هذه التهم، بالإضافة إلى إصدار الأحكام في غياب المتهمين أنفسهم، يثير شكوكا كبيرة حول مصداقية الإجراءات القانونية، ويؤكد اتهامات المعارضة بأن القضاء بات وسيلة لتصفية الحسابات السياسية.
المرزوقي، الذي يقيم حاليًا في باريس، وصف الحكم بأنه “جزء من سلسلة الأحكام السريالية التي تستهدف خيرة رجال تونس”، كما لم يوفر نقده اللاذع للسلطة القضائية، معتبرًا القضاة الذين أصدروا الحكم بأنهم “قضاة الزبالة”، واتهمهم بالعمالة لـ”المنقلب الذي يخدمونه بلا شرف”، في إشارة واضحة إلى قيس سعيد. كما توعّدهم بـ”قضاء سنوات طويلة في السجون” بعد سقوط “الانقلاب”، على حد وصفه.
اللافت أن الأحكام الصادرة ضد المرزوقي باتت تتراكم، فقد أعلن بنفسه أن مجموع سنوات السجن التي أُدين بها حتى الآن وصلت إلى 34 سنة، تتوزع بين 3 أحكام، اثنان منها صدرا سابقًا (8 سنوات و4 سنوات). وهذا يشير بوضوح إلى حملة ممنهجة لتجريمه سياسياً، وعزله تماماً عن أي عودة محتملة للمشهد السياسي.
قيس سعيد.. من الانقلاب الدستوري إلى ملاحقة المعارضين
منذ 25 يوليو 2021، عندما قام الرئيس قيس سعيد بتفعيل الفصل 80 من الدستور وتجميد البرلمان، بدأت تونس تشهد تراجعًا خطيرًا في منسوب الحريات، وتحولًا جذريًا في طبيعة الحكم نحو النزعة الفردية والسلطوية. وتواصل ذلك عبر الاستفتاء المثير للجدل على دستور 2022، الذي جرى في ظل مقاطعة واسعة من المعارضة وقوى المجتمع المدني، تلاه تنظيم انتخابات تشريعية ضعيفة المشاركة، لتتأسس “جمهورية سعيد” على أسس غير ديمقراطية، بحسب توصيفات خصومه.
وقد استُخدم القضاء في هذه المرحلة الجديدة كسلاح حاسم بيد الرئيس لتثبيت سلطته وقمع معارضيه، حيث تمت ملاحقة العديد من الصحفيين، والنشطاء، والسياسيين، وحتى النقابيين، بتهم شتى منها “المس بأمن الدولة”، و”التحريض”، و”نشر الأخبار الزائفة”، وأخيرًا “الإرهاب”.
الملاحقات القضائية لم تسلم منها شخصيات ذات ثقل قانوني وحقوقي، مثل عبد الرزاق الكيلاني، الذي كان نقيب المحامين سابقًا ووزيرًا في حكومة الترويكا، مما يكشف أن الاستهداف يشمل كل من كان يومًا ما جزءًا من التجربة الديمقراطية التونسية عقب الثورة.
المنفى ليس نهاية الطريق: المرزوقي يتوعد بالعودة
بعيدًا عن لهجة الغضب، بدت تدوينة المرزوقي تحمل أيضًا رسالة أمل وإصرار، إذ قال: “تيقنوا أن الديمقراطية ستعود، وأن تونس ستستأنف بناء دولة القانون والمؤسسات”، وهو ما يعكس روح التحدي التي لا تزال تسكنه رغم كل المحاكمات والإدانات.
ومن المعروف أن المرزوقي لعب دورًا مهمًا بعد الثورة التونسية وكان أول رئيس منتخب بعد إسقاط نظام بن علي، وقد عُرف بدعمه الشديد للحريات، ومناهضته للثورات المضادة، وهو ما جعل استهدافه لاحقًا محتمًا من قبل نظام يعيد إنتاج الهيمنة القديمة بأساليب جديدة، تحت مسميات “الإصلاح”، و”التحصين”، و”مكافحة الفساد”.
خاتمة: معركة الدولة العميقة ضد حلم الثورة
تكشف هذه الأحكام بوضوح أن قيس سعيد ونظامه لا يقبلان بوجود أي صوت معارض، حتى وإن كان في المنفى، وأن السلطة مستعدة لاستخدام كافة الوسائل، القانونية والقسرية، لضمان استمرار مشروعها في الحكم المنفرد، ولو على حساب الحريات والديمقراطية.
لكن في المقابل، تظل روح الثورة حيّة في أصوات منفييها، وعلى رأسهم المرزوقي، الذي يبعث برسائل مفادها أن الانقلابات لا تدوم، وأن قوس الاستبداد، مهما اتسع، لا بد له أن ينكسر أمام إرادة الشعوب.
اقرأ أيضًا : نعيم قاسم يعلنها: لسنا على الحياد.. حزب الله يلوّح بالتدخل المباشر دفاعًا عن إيران