في تطور لافت يعكس تغيرًا في المزاج السياسي الأوروبي تجاه الاحتلال الإسرائيلي، طالبت تسع دول من الاتحاد الأوروبي المفوضية الأوروبية باتخاذ خطوات ملموسة لوقف التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية المقامة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، استنادًا إلى الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية في يوليو/تموز 2024، والذي أكد عدم شرعية الاحتلال والمستوطنات بموجب القانون الدولي.
هذه المطالبة تأتي ضمن تحرك سياسي متصاعد داخل أوروبا لفصل التعاون الاقتصادي عن دعم واقع الاحتلال، ما يضع إسرائيل أمام عزلة محتملة في واحدة من أهم ساحاتها التجارية والدبلوماسية.

أوروبا تتقدم خطوة نحو الالتزام بالقانون الدولي
وقع على الرسالة الموجهة إلى مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، وزراء خارجية كل من بلجيكا، فنلندا، أيرلندا، لوكسمبورغ، بولندا، البرتغال، سلوفينيا، إسبانيا، والسويد، وجميعها دول معروفة بتاريخها الداعم للحقوق الدولية والانتصار للقضية الفلسطينية على الصعيد الإنساني والقانوني. وطالب الموقعون المفوضية الأوروبية ببلورة مقترحات “فعالة” لوقف التجارة مع المستوطنات غير القانونية، باعتبار استمرار هذه العلاقات الاقتصادية مساهمة في إبقاء الاحتلال الإسرائيلي قائمًا ومربحًا، خصوصًا أن المستوطنات تُقام على أراضٍ محتلة بشكل يتعارض مع اتفاقيات جنيف وقرارات مجلس الأمن.
أبرزت الرسالة ضرورة احترام الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية، والذي طالب الدول بعدم تقديم أي دعم أو شرعية أو علاقات تجارية من شأنها إدامة الاحتلال أو تسهيل توسع المستوطنات. وهو ما دفع وزير الخارجية البلجيكي، ماكسيم بريفو، إلى التأكيد أن “السياسة التجارية الأوروبية يجب أن تنسجم مع القانون الدولي”، محذرًا من أن تجاهل ذلك يمثل انتهاكًا واضحًا للمبادئ القانونية والأخلاقية التي تأسس عليها الاتحاد الأوروبي.
أيرلندا في الطليعة: نموذج يقود التحول الأوروبي
التحرك الجماعي جاء بعد مبادرة سباقة من أيرلندا، والتي أقدمت على خطوات تشريعية فعلية لمنع التعامل مع شركات إسرائيلية تنشط في الأراضي المحتلة، وخاصة في الضفة الغربية والقدس الشرقية. وقد وافق مجلس الوزراء الأيرلندي الشهر الماضي على مشروع قانون يحظر استيراد السلع والخدمات القادمة من المستوطنات، في إجراء غير مسبوق على مستوى دول الاتحاد. وتُعرض هذه المبادرة الآن على البرلمان الأيرلندي لمناقشتها خلال الصيف، وسط مؤشرات قوية على تبنيها رسميًا في وقت لاحق من العام الجاري.
وتُعد أيرلندا من أكثر الدول الأوروبية تعاطفًا مع القضية الفلسطينية، لاعتبارات تاريخية وشعبية متجذرة، فالشعب الأيرلندي لا يرى فقط ظلمًا في الاحتلال الإسرائيلي، بل يجد تشابهًا صارخًا بينه وبين التجربة الاستعمارية البريطانية التي عاشها هو نفسه لعقود. وزاد الغضب الأيرلندي بعد العدوان الإسرائيلي المتكرر على غزة منذ أكتوبر 2023، وما خلفه من آلاف القتلى المدنيين، وتدمير للبنية التحتية، وتضييق الخناق على المؤسسات الإنسانية، وعلى رأسها “الأونروا”، التي تعتبرها أيرلندا شريكًا إنسانيًا لا يجوز استهدافه.
كما لا يمكن تجاهل أن أيرلندا كانت من أوائل الدول الأوروبية التي اعترفت بدولة فلسطين في مايو/أيار 2024، إلى جانب إسبانيا وسلوفينيا والنرويج، وهو ما عزز توجهًا متصاعدًا في الاتحاد الأوروبي نحو إعادة تقييم العلاقة مع إسرائيل، على ضوء سياساتها الميدانية في غزة والضفة الغربية.
خاتمة: نحو عزل الاحتلال اقتصاديًا.. هل ينجح المسار الأوروبي؟
الموقف الأوروبي الأخير يعكس توجهًا متزايدًا لعزل الاحتلال الإسرائيلي على المستوى القانوني والاقتصادي، في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية، بما في ذلك الشعبية والإعلامية، لإعادة الاعتبار للقانون الدولي وإيقاف سياسة الإفلات من العقاب التي استفادت منها إسرائيل لعقود. وقد أظهرت حرب غزة الأخيرة تحولًا واضحًا في الرأي العام الأوروبي، حيث خرجت احتجاجات ضخمة في كبريات العواصم، تدين السياسات الإسرائيلية وتدعو لفرض عقوبات حقيقية على تل أبيب، خصوصًا في ظل تواطؤ عدد من الحكومات الغربية معها سياسيًا وأمنيًا.
وفي حال تجاوب المفوضية الأوروبية مع الطلب، فقد يُحدث ذلك سابقة قانونية قد تمتد إلى مجالات أوسع، كمنع الاستثمارات أو تعليق الاتفاقيات الثنائية التي تشمل المستوطنات. كما أن هذا التحرك من شأنه تقوية حملة “BDS” (مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات)، التي تلقى دعمًا متزايدًا من المؤسسات الأكاديمية والعمالية والحقوقية في أوروبا.
لكن في المقابل، من المرجح أن تواجه هذه الخطوات معارضة قوية من دول أوروبية أخرى تربطها علاقات إستراتيجية أو أمنية وثيقة بإسرائيل، مثل ألمانيا وفرنسا. ومع ذلك، فإن الخطوة الحالية تُعد مؤشرًا على أن الاحتلال الإسرائيلي بدأ يفقد شرعيته الدولية بشكل متسارع، وأن عصر التسامح الأوروبي مع جرائم الاستيطان قد اقترب من نهايته.
لقد بات واضحًا أن الاحتلال أصبح عبئًا على من يدعمه، ومصدر تهديد لمبادئ القانون الدولي، وأن استمرار العلاقات الاقتصادية مع المستوطنات يعني التورط في جريمة ممتدة لا يغفرها التاريخ، ولا تغسلها الأرباح.
اقرأ أيضًا : انفجار غامض يهز مقر السفير النرويجي في تل أبيب.. رسائل في قلب “الأمان الدبلوماسي”؟