بينما كان ترامب يُعلن مساء أمس عن التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل، كان واضحًا أن هذا الإعلان لا يُخفي حقيقة أكثر خطورة: قرار الحرب كان قد اتُّخذ مسبقًا، بعيدًا عن تقديرات الاستخبارات الأمريكية، ووفقًا لأجندة تل أبيب.

فعلى الرغم من أن الاستخبارات الأمريكية – منذ عام 2007 وحتى آخر إفادة رسمية في مارس الماضي – لم تجد أي دليل على أن إيران أعادت تفعيل برنامجها النووي العسكري، اختار ترامب تجاهل كل ذلك، وشن ضربات جوية على منشآت إيرانية يُفترض أنها مخصصة لتخصيب اليورانيوم. خطوة لم تُبنَ على معلومات جديدة، بل على إصرار سياسي في التحالف مع إسرائيل وتجاهل المؤسسة الأمنية الأمريكية.

الصحفي جيمس رايزن، في تحليله المنشور على صحيفة الغارديان بعد الهجوم الأمريكي، يكشف هذا التناقض الجوهري في السياسة الأمريكية. فرغم أن الموقف الاستخباراتي لم يتغير منذ نحو عقدين، إلا أن الجديد هو وجود رئيس لا يبالي بتقارير الخبراء، ولا يتردد في إقصاء كل من يعارض رؤيته. ترامب أقال مسؤولين، وأطاح بكوادر الأمن القومي، وفرض على المؤسسات موقفًا واحدًا: الانسياق خلف إسرائيل.

وبينما يصر مسؤولون إسرائيليون و”صقور” واشنطن على أن طهران قادرة على إنتاج قنبلة في وقت قصير، تُصرّ الاستخبارات الأمريكية على أنها ستكتشف ذلك مبكرًا، قبل فوات الأوان. ورغم أن أجهزة الاستخبارات الأمريكية لا ترى أن إيران تمضي نحو تصنيع سلاح نووي، إلا أن إسرائيل وجدت في ترامب حليفًا لا يناقش.

رايزن يعيد القارئ إلى عام 2003، حين أخطأت واشنطن الحسابات بشأن العراق بسبب سوء تقدير مماثل حول أسلحة الدمار الشامل. لكن المفارقة أن درس العراق لم يُفد أحدًا اليوم. ترامب كرر نفس النمط، حتى بعد أن أقر شخصيًا بعدم اهتمامه بتقييمات المخابرات: “لا أهتم”، قالها بكل بساطة، مبررًا ضرباته لإيران.

اللافت أن ترامب لم يجد في الهجوم ما يستدعي تبريرًا استخباراتيًا أو حتى تنسيقًا داخليًا. مديرة الاستخبارات الوطنية، تولسي غابارد، سارعت لتبرير الضربات، رغم أن التقييمات لم تتغير. أما في الكونغرس، فقد وُجهت انتقادات حادة للرئيس، كان أبرزها من السيناتور مارك وارنر، الذي اتهمه بالتصرف “دون اعتبار للتقييمات الثابتة لأجهزة الاستخبارات الأمريكية”.

اليوم، وبعد إعلان وقف إطلاق النار -الذي لم يدخل حيز التنفيذ بعد-، يتضح أن الضربة الأميركية لم تكن لتغيير المعادلة الأمنية، بل لتأكيد الانحياز. اتفاق التهدئة جاء بعد تنفيذ ما أرادته إسرائيل: قصف منشآت نووية، وفرض مناخ من الردع، دون أن تكون هناك ضرورة فعلية أو تهديد وشيك. إنها معادلة التحالف غير المشروط، حتى وإن كان الثمن هو التضحية بالمنطق، وبالاستقرار الإقليمي، وبثقة العالم في مصداقية السياسة الأميركية.

في هذا السياق، يصبح من المشروع التساؤل: إذا كانت الإدارة الأمريكية تقصف إيران رغم عدم وجود تهديد، وتصمت تمامًا عن جرائم إسرائيل اليومية في غزة، فأي وجه يبقى لما يُسمى بالمجتمع الدولي؟ ومن الذي يملك اليوم قرار الحرب والسلم في المنطقة: واشنطن أم تل أبيب؟