في تطور لافت لمسار الحرب الممتدة منذ أكثر من عام، أعلن الجيش السوداني، الخميس، سيطرته الكاملة على منطقة “ملكن” في ولاية النيل الأزرق جنوب شرق البلاد، بعد معارك عنيفة مع قوات الدعم السريع، التي تقاتل تحت مظلة دعم خارجي، أبرزها الإمارات.
ملكن تحت سيطرة الجيش: تحوّل ميداني أم اختراق استراتيجي؟
جاء الإعلان على لسان الناطق باسم الجيش السوداني، العميد نبيل عبد الله، الذي وصف العملية بأنها “سحق لمليشيا الدعم السريع في محافظة باو”، مؤكدًا تطهير المنطقة بالكامل، ونشر مقاطع مصورة من داخل “ملكن” لدعم الرواية الميدانية.
وتأتي هذه السيطرة بعد يوم من إعلان الجيش استعادة مناطق أخرى في النيل الأزرق من “الدعم السريع” و”الحركة الشعبية – شمال”، مما يشير إلى تكتيك عسكري متدرج لاستعادة العمق الجنوبي الشرقي للبلاد، في الوقت الذي تواجه فيه قوات الدعم السريع ضغوطًا متزايدة في أكثر من جبهة.
النيل الأزرق.. خاصرة الجنوب المشتعلة
منطقة النيل الأزرق، التي ظلت لفترة طويلة ساحة معارك مع الحركة الشعبية ـ شمال، تعتبر ذات أهمية استراتيجية مزدوجة:
-
جغرافيًا: تشكل بوابة حيوية للربط بين جنوب كردفان وحدود إثيوبيا.
-
سياسيًا: كانت مركزًا لمطالب الحركة بالحكم الذاتي منذ 2011، ومسرحًا قديمًا للتوتر بين المركز والهامش.
وإذا تمكن الجيش من فرض سيطرته الكاملة على النيل الأزرق، فإن ذلك يعني خنق الدعم السريع في جبهة حيوية، وقطع أحد طرق الإمداد اللوجستي المهمة.
الجيش السوداني بين جبهتي النيل وكردفان
لا تقتصر انتصارات الجيش على النيل الأزرق، إذ أعلن الأربعاء تدمير “مجموعة كبيرة” من قوات الدعم السريع في مدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان، ثاني أكبر مدن الإقليم، وهي منطقة شديدة الحساسية لطبيعتها القبلية المعقدة وخطورة التحالفات فيها.
وبذلك، يبدو أن الجيش يسعى إلى خلق طوق ناري متعدد الاتجاهات ضد الدعم السريع، والضغط عليه في الجبهات البعيدة جغرافيًا عن تمركزه الرئيسي في العاصمة الخرطوم ودارفور.
الدعم السريع: خسائر متتالية وعزلة متزايدة
التقدم الذي يحققه الجيش السوداني يأتي في ظل اتهامات دولية ومحلية متصاعدة ضد قوات الدعم السريع بارتكاب جرائم حرب، خصوصًا في دارفور، إلى جانب تسريبات حول دعم إماراتي مباشر، ما يعزز حالة العزلة السياسية والدبلوماسية حولها، ويمنح الجيش هامشًا أوسع للتحرك ميدانيًا دون ضغوط خارجية كبيرة.
هل يغيّر الجنوب قواعد اللعبة؟
رغم صعوبة الحديث عن حسم نهائي في حرب معقّدة ومتشعبة مثل التي يعيشها السودان، إلا أن تقدم الجيش في الجنوب يمثل لحظة فارقة. فهو:
-
يعيد للجيش زمام المبادرة في واحدة من أكثر الجبهات تعقيدًا.
-
يضعف قدرة الدعم السريع على المناورة والانتشار.
-
يعزز خطاب القيادة العامة أمام الداخل والخارج، كممثل “شرعي” يحارب التمرد والفوضى.
لكن يبقى السؤال الأهم: هل تكفي المكاسب العسكرية لتعديل موازين الحرب؟ أم أن المعركة السياسية والدبلوماسية، مع صراع النفوذ الإقليمي والدولي، ستبقى العقبة الأكبر أمام الحل الشامل؟
تقدم الجيش السوداني في النيل الأزرق قد يكون بداية مرحلة جديدة من الصراع، لكنه لا يعني بالضرورة قرب النهاية. فما دامت الدعم السريع مدعومة خارجيًا، وما دامت الحركات المسلحة تحتفظ بموطئ قدم في الهامش، فإن معركة السيطرة ستبقى مفتوحة. غير أن أهم ما يميز هذه اللحظة هو أن الجنوب بدأ يتكلم لغة الجيش، وهو تطور لا يمكن تجاهله.
اقرأ أيضا: السودان.. طبيب جديد يُقتل تحت التعذيب بمعتقلات “حميدتي” وسط اتهامات للدور الإماراتي في تأجيج الحرب