في مشهد جنائزي استثنائي، تحوّلت شوارع العاصمة الإيرانية طهران صباح السبت إلى ساحة من الحداد الغاضب، حيث شارك مئات الآلاف في مراسم تشييع جثامين عشرات القادة العسكريين والعلماء النوويين الذين اغتالتهم إسرائيل خلال العدوان الأخير الذي استمر 12 يومًا واستهدف البنية القيادية والعلمية للجمهورية الإسلامية.
امتدت مسيرة التشييع من ساحة “انقلاب الثورة” وسط طهران إلى ساحة “آزادي” غرب المدينة، وسط أجواء مشبعة بالغضب والدموع والهتافات المناهضة للولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي.
ورفع المشيعون صور الشهداء إلى جانب لافتات كتب عليها “لن نغفر.. لن ننسى”، فيما أُحرقت الأعلام الإسرائيلية والأمريكية في أكثر من نقطة على طول طريق التشييع، في تعبير صريح عن الغضب الشعبي المتصاعد.

اغتيالات نوعية في بداية العدوان
الهجوم الإسرائيلي، الذي بدأ فجر الجمعة 13 يونيو/حزيران، لم يكن تقليديًا أو محدود النطاق، بل حمل سمات عمليات “جراحية” مركزة استهدفت عصب القيادة في إيران.
فقد استُهلت العملية بسلسلة ضربات دقيقة أودت بحياة 30 قائداً عسكريًا من الصف الأول، و15 عالمًا نوويًا، في أكبر ضربة قيادية تتعرض لها إيران منذ اغتيال قاسم سليماني عام 2020.
من بين الشخصيات البارزة التي طالتها الاغتيالات رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الجنرال محمد باقري، والقائد العام للحرس الثوري الجنرال حسين سلامي، وقائد مقر “خاتم الأنبياء” الجنرال غلام علي رشيد، وقائد سلاح الجو بالحرس الثوري اللواء أمير علي حاجي زاده.
كما شملت الضربات العالم النووي البارز محمد مهدي طهرانجي، رئيس “جامعة آزاد الإسلامية”، ونائب البرلمان ورئيس منظمة الطاقة الذرية الأسبق فريدون عباسي.
هذه الاغتيالات صُممت لتوجيه ضربة استراتيجية موجعة للبنية القيادية والعلمية في إيران، بهدف شل قدرتها على الردع والرد، إلا أن الرد الإيراني لم يتأخر.
تشييع مهيب ورسائل سياسية
حضرت شخصيات سياسية وعسكرية رفيعة مراسم التشييع، يتقدمهم قائد “فيلق القدس” إسماعيل قاآني، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، ووزير الخارجية عباس عراقجي، إلى جانب قادة من مختلف مؤسسات الدولة والسلطات القضائية والأمنية. وأعلنت السلطات تعطيل الدوام الرسمي في العاصمة، لإتاحة الفرصة للمشاركة الواسعة.
وصف علي شمخاني، المستشار الأعلى للمرشد وأمين مجلس الأمن القومي السابق – والذي نجا من محاولة اغتيال خلال الهجوم – التشييع بأنه “ليس مجرد وداع، بل تجديد للعهد مع الشهداء”، وكتب على منصة “إكس”: “جاؤوا لاغتيال العقل وإنهاء الاقتدار، والعدوان الذي بدأوه فجر الجمعة 13 الشهر، انتهى باستجدائهم وقف إطلاق النار… ومن كل قطرة دم سيولد ألف قائد”.
حصيلة ثقيلة ورد عسكري نوعي
أعلن المتحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية، حسين كرمانبور، أن عدد الضحايا بلغ 627 شهيدًا، بينهم 49 امرأة (بينهن امرأتان حاملتان) و13 طفلاً (بينهم رضيع يبلغ من العمر شهرين)، إلى جانب 4870 جريحًا، أغلبهم في حالات حرجة، مع استمرار فرق الإنقاذ في انتشال الجثث من تحت الأنقاض في مواقع متعددة.
هذه الأرقام، إلى جانب اغتيال القادة والعلماء، أشعلت غضبًا واسعًا دفع طهران إلى الرد العسكري الأوسع منذ سنوات. فقد شنت إيران سلسلة من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة على مواقع إسرائيلية، شملت مراكز استخباراتية وعسكرية في العمق، ما اعتبره مراقبون تطورًا خطيرًا في معادلة الردع.
ورغم محاولات إسرائيل التقليل من أثر الضربات، فإن صور الحرائق والانفجارات التي بثتها وسائل الإعلام والناشطون من داخل الأراضي المحتلة، أظهرت حجم الرد الإيراني، الذي حمل توقيع “الحرس الثوري”، وأعاد التذكير بقدرة طهران على قلب الطاولة حينما تقرر.
الولايات المتحدة تدخل على الخط
في خضم التصعيد، دخلت الولايات المتحدة على خط المواجهة، فجر الأحد الماضي، حيث شنّت هجمات نوعية على منشآت نووية إيرانية في نطنز وأصفهان وفوردو، مستخدمة صواريخ خارقة للتحصينات.
هذه الضربات جاءت في وقت كانت فيه إيران تستعد لاستئناف الجولة السادسة من المفاوضات النووية غير المباشرة مع واشنطن في العاصمة العمانية مسقط، ما دفع مسؤولين إيرانيين للقول إن الهجوم نسف آخر جسور الحوار.
إيران أمام مفترق طرق
ما جرى في الأيام الـ12 الماضية أعاد خلط الأوراق في الشرق الأوسط. إيران التي خسرت نخبتها العسكرية والعلمية، وجدت نفسها في موقع الدفاع والرد في آنٍ واحد، لكن حجم الحشد الشعبي في التشييع يشير إلى أن الشارع الإيراني لا يزال يحتفظ بقدر كبير من الصلابة، ويبدو مستعدًا لمزيد من التصعيد، إذا قررت القيادة الإيرانية المضي في المواجهة المفتوحة.
لكن في الوقت ذاته، فإن الضربات التي استهدفت منشآت نووية حساسة، توحي بأن واشنطن وتل أبيب ترغبان في تقليم أظافر البرنامج النووي الإيراني، وإعادة طهران إلى طاولة المفاوضات من موقع الضعف، لا الندية.
خلاصة المشهد
التشييع المهيب الذي شهدته طهران لم يكن مجرد وداع لشهداء النخبة، بل عرض قوة رمزية وسياسية واجتماعية، أرسل من خلاله الإيرانيون رسالة مفادها أن استهداف العلماء والقادة لن يُسقط الجمهورية الإسلامية، بل يعيد تشكيل وعي المواجهة. وفي الشرق الأوسط الذي يتغير يوماً بعد يوم، تبقى إيران فاعلاً لا يمكن تجاهله… وإن كان النزف عميقًا.
اقرأ أيضًا : مجلس الأمن يشتعل بعد الضربات الأميركية لإيران: بين تحذيرات الحرب ومطالب الهدنة