في خطاب استعراضي نُفّذ في مكان غير معروف وبحضور مُعدّ بعناية، ظهر قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) للمرة الثانية منذ اندلاع الحرب في السودان في 15 أبريل 2023، ليتحدث إلى من تبقى من قواته قائلاً: “أخرجونا من مناطق عزيزة وسنعود إليها بعزة”. 

إلا أن هذا التصريح كشف أكثر مما أراد إخفاءه، إذ بدت نبرة الهزيمة حاضرة خلف ستار من التعالي الخطابي. فما هي “المناطق العزيزة” التي يتحدث عنها حميدتي؟ وما الذي دفعه اليوم إلى مغازلة خصومه، بمن فيهم مصر وحركات الكفاح المسلح في دارفور، بعد عامين من التحدي والمواجهة؟

حين هاجمت قواته القيادة العامة للجيش، مطار الخرطوم، والقصر الجمهوري في اليوم الأول للحرب، ظن حميدتي أن الطريق إلى السلطة صار ممهداً، وأن نصف ساعة فقط تفصله عن إعلان السيطرة من داخل القصر. كانت تلك ذروة المشروع الانقلابي المدعوم حينها من أطراف إقليمية، على رأسها الإمارات، التي تُتهم بتقديم دعم لوجستي ومالي لقوات الدعم السريع، بما في ذلك تمويل شراء الأسلحة وتوفير ممرات التهريب.

لكن، وعلى عكس الحسابات الأولية، سرعان ما اصطدم طموح حميدتي بجدار من الصمود داخل الجيش، لا سيما في مقرات القيادة العامة، وسلاح المهندسين، وقاعدة وادي سيدنا. ورغم السيطرة السريعة على رموز سيادية مثل القصر ومطار الخرطوم، فإن الهيمنة العسكرية الفعلية لم تتحقق، بل تحولت إلى عبء استراتيجي مع مرور الوقت.

 

نهاية وهم السيطرة.. وانهيار التحالفات

تزامناً مع سيطرة الدعم السريع على أجزاء واسعة من العاصمة وبعض ولايات الوسط، روّجت آلته الإعلامية لما وصفته بسيطرة على 90% من البلاد، لكنها لم تصمد أمام الوقائع على الأرض. فمدينة الفاشر، على سبيل المثال، ظلت صامدة في وجه مئات الهجمات، بينما أعادت قيادة الجيش ترتيب صفوفها تدريجياً، وأطلقت عمليات التحرير خطوةً بخطوة، بدأت من أمدرمان، ثم الجزيرة وسنار، وصولاً إلى الخرطوم وبحري.

ومن أبرز ما كسر التوازن الميداني لصالح الجيش، تحرير الإذاعة والتلفزيون، وفك الحصار عن سلاح المهندسين، وعبور الجسور إلى الخرطوم. كما تم تحرير مصفاة الجيلي التي كانت قوات الدعم تتحصن بها منذ بداية الحرب، معتمدةً على المنشآت المدنية والعاملين فيها لتوفير الوقود وتسليح القوات.

هذه الضربات المتتالية أجبرت الدعم السريع على التراجع، خاصة بعد فقدان القوة الصلبة في معارك الخرطوم، وتفكك البنية القتالية نتيجة الخلافات القبلية، وحملة التخوين التي طالت كبار قادة الصف الأول. كما فشل نائب حميدتي، عبد الرحيم دقلو، في استقطاب تعزيزات من كردفان ودارفور وحتى دول الجوار، ما سرّع في انسحاب الوحدات إلى مناطق الحاضنة الاجتماعية غرباً.

في المقابل، كانت حركات الكفاح المسلح، التي انخرطت في اتفاق سلام جوبا، تؤدي دوراً محورياً في القتال إلى جانب الجيش، خاصة في مناطق الفاشر والجنينة. وقد مثّل ذلك صفعة إضافية لحميدتي، الذي طالما اعتبر تلك القوى خصوماً استراتيجيين لمشروعه.

مغازلة المهزومين.. وأوهام تحالفات جديدة

وسط هذا الانهيار، ظهر حميدتي قبل أيام في محاولة لاستعادة المبادرة، مغازلاً مصر التي كان يتهمها سابقاً بدعم الجيش، وعارض وجودها في مطار مروى في الأيام الأولى للحرب. لكنه اليوم يفتح قناة حوار جديدة معها، متحدثاً عن “أدوار مشتركة” لمكافحة الهجرة والتهريب، في محاولة منه لتقديم نفسه كحارس للحدود.

لكن الأهم من ذلك كان مغازلته لحركات الكفاح المسلح، في تحول لافت عن خطاب العداء السابق. إذ أعلن ترحيبه بالتعاون مع جبريل إبراهيم ومني أركو مناوي، رغم قتال هذه الحركات إلى جانب الجيش في عدة جبهات. وهو ما يقرأ كمحاولة لفك التحالف القائم حالياً داخل معسكر السلطة الشرعية المتمثلة في حكومة “الأمل” التي أعلن عنها الدكتور كامل إدريس.

حميدتي يسعى، بحسب مراقبين، إلى الاستثمار في أي خلاف محتمل داخل تحالفات ما بعد الحرب، لا سيما الخلافات حول توزيع الحقائب الوزارية. وقد ظهر هذا في تصريحات مبطنة تحمل انتقاداً لحكومة الأمل، رغم أن حركات الكفاح المسلح لا تزال تصفه مجرم حرب ارتكب انتهاكات واسعة بحق المدنيين في دارفور والخرطوم.

وفي الوقت الذي يحاول فيه حميدتي ترميم صورته داخلياً وخارجياً، تتسرب تقارير عن نقل قواته أسرى من الجيش ومدنيين إلى دارفور، مما يعزز المؤشرات على انتقال عملي لمركز القيادة نحو معقله التاريخي هناك، بعد خسارته الكاملة للعاصمة.

لكن ومع دخول الحرب عامها الثالث، يتضح أن الدعم السريع أصبح في موقع دفاعي، يراهن على النجاة وليس النصر. كما أن الدعم الإماراتي، الذي لطالما كان محوراً أساسياً في تمويله، بات محل إدانة دولية متزايدة، بعد توثيق جرائم ضد المدنيين، وأبرزها مجازر الجنينة والفاشر، والاعتداءات على مقرات الإغاثة والمستشفيات.

خاتمة: حميدتي بين هزيمة معلنة ومناورة يائسة

من بوابة القصر الجمهوري إلى مشارف دارفور، انقلبت موازين المعركة التي بدأها حميدتي بثقة زائدة وانتهت به محاطاً بالهزيمة، يحاول إنكارها بخطاب مصطنع ومصالحات متأخرة. وبينما تتقدم قوات الجيش وحلفاؤه لتحرير ما تبقى، يبدو أن زعيم الدعم السريع لا يزال يراهن على التحالفات الخارجية والمناورات الإعلامية لإطالة أمد بقائه، لكن المعطيات الميدانية تشير إلى أن سقوط مشروعه بات أقرب من أي وقت مضى.

اقرأ أيضًا : الأمم المتحدة تكشف رقماً قياسياً لانتهاكات الأطفال في الحروب: الاحتلال والإمارات في صدارة الاتهام