في مشهد تقشعر له الأبدان، وثّقت كاميرا قناة الجزيرة لحظة استهداف طائرة مسيّرة إسرائيلية لمواطن فلسطيني كان يسير حاملاً كيسًا من الطحين في حي الشجاعية شمالي قطاع غزة، في واحدة من أكثر الجرائم وحشية واستهتارًا بالحياة الإنسانية التي ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي خلال عدوانه المستمر على القطاع منذ أكتوبر 2023. لم يكن الرجل يحمل سلاحًا، لم يكن في منطقة اشتباك، بل كان يحمل قوت يومه على ظهره، ليكون القمح الذي يُفترض أن يصنع الحياة، شاهدًا على موته.
هذا القصف الذي وقع في وضح النهار وأمام عدسة الكاميرا، يعكس الوجه الحقيقي لحرب الإبادة الجماعية التي تشنها إسرائيل ضد المدنيين الفلسطينيين، حيث لم تعد الأهداف تقتصر على المنازل أو البنية التحتية، بل امتدت لتشمل الطحين والمساعدات الغذائية، في مسعى واضح لاستخدام الجوع كأداة للتركيع والإبادة الجماعية.
مشاهد خاصة حصلت عليها الجزيرة توثّق لحظة استهداف طائرة مسيّرة للاحتلال لفلسطيني كان يحمل كيسًا من الطحين على ظهره في حي الشجاعية. pic.twitter.com/kvUq3Jbr2x
— أنس الشريف Anas Al-Sharif (@AnasAlSharif0) June 29, 2025
الطحين في مرمى النيران
المشهد المأساوي الذي وثقته قناة الجزيرة يُظهر المواطن الفلسطيني وهو يسير بهدوء، يحمل كيس طحين حصل عليه بعد ساعات من الانتظار في طوابير الإغاثة. وفي لحظة خاطفة، وبدون سابق إنذار، تستهدفه طائرة مسيّرة إسرائيلية بقذيفة دقيقة، فترديه شهيدًا على الفور، ويسقط جسده إلى جوار الكيس الأبيض، في رمزية تقشعر لها الأبدان: الطحين المراق بالدم.
هذه الجريمة ليست الأولى من نوعها، إذ تؤكد وزارة الصحة في قطاع غزة أن الاحتلال بات يعتمد سياسة “مصائد الموت” بحق المدنيين الجائعين، حيث يُستهدف المتجمهرون أمام شاحنات الإغاثة بالرصاص الحي، القنص، أو القصف الجوي، في محاولة لتجويع القطاع وإبادة سكانه بشكل بطيء.
الدكتور منير البرش، المدير العام لوزارة الصحة في غزة، قال في مقابلة مع الجزيرة إن ما لا يقل عن 500 فلسطيني استشهدوا خلال الأسابيع الأخيرة أثناء محاولتهم الحصول على الطعام. وأكد أن الاحتلال “يفرّق جموع الجائعين بالمدفعية، ومن ينجو يستهدفه القناص في الرأس أو الصدر”. مشهد الطحين المغمس بالدم لم يعد استثناءً، بل تحول إلى قاعدة يومية في غزة المحاصرة.
سياسة تجويع ممنهجة
القصف الإسرائيلي لفلسطينيين يسعون للحصول على مساعدات إنسانية لا يمكن تفسيره إلا في سياق سياسة تجويع ممنهجة اتبعتها إسرائيل منذ بداية العدوان. فبحسب تقارير الأمم المتحدة، فإن أكثر من نصف سكان القطاع يواجهون خطر المجاعة، مع انهيار شبه كامل لمنظومة الإغاثة نتيجة الحصار، واستهداف المراكز الطبية، ومخازن الغذاء، وحتى العاملين في المجال الإنساني.
وتأتي هذه الهجمات وسط حديث متزايد عن استخدام إسرائيل للجوع كسلاح حرب، في انتهاك صارخ لاتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني، الذي يُجرّم استهداف المدنيين ومنع الإغاثة عنهم. ففي حي الشجاعية، والزيتون، ورفح، وخان يونس، تتكرر مشاهد القصف للباحثين عن الطحين والمساعدات، بينما لا تزال قوات الاحتلال تمنع دخول شاحنات الإغاثة أو تفرض عليها شروطًا تعجيزية، بما في ذلك تفتيشها أو احتجازها لأيام.
وحتى مراكز توزيع المساعدات نفسها باتت أهدافًا مفضّلة، حيث تم توثيق استهداف تجمّعات مدنية عدة في محيط الشاحنات، في ظل صمت دولي مطبق. لم يعد هناك “منطقة آمنة” في غزة، ولا حتى من يحمل كيسًا من الطحين صار في مأمن.
القتل تحت نظر العالم
القصف الذي وثّقته الجزيرة ليس مجرد مشهد مأساوي يُضاف إلى سلسلة المجازر في غزة، بل هو شهادة دامغة على أن الاحتلال الإسرائيلي يمضي في حربه دون أي رادع دولي، مستندًا إلى دعم سياسي وعسكري من حلفائه الغربيين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة. رغم التوثيق المباشر بالصوت والصورة، لا تُثار في المحافل الدولية سوى بيانات قلق، بينما تتواصل المجازر بحق أطفال ونساء وشيوخ القطاع.
إن استهداف المدنيين أثناء بحثهم عن الطحين لا يُعدّ فقط جريمة حرب، بل هو شكل من أشكال التطهير العرقي، يتم تنفيذها على مرأى ومسمع من العالم. المشهد يثير تساؤلات أخلاقية عميقة: كيف يمكن لمنظومة “الديمقراطيات الغربية” أن تستمر في تبرير هذا القتل المنهجي؟ وكيف يتحول حمل كيس طحين إلى “نشاط عدائي” يُبرر استهدافه بصاروخ دقيق؟
في حي الشجاعية، لم يسقط رجل فقط، بل سقطت معه كل القيم التي يتغنى بها المجتمع الدولي. سقطت اتفاقيات حقوق الإنسان، وسقطت شرعة جنيف، وسقطت معها ما تبقى من إنسانية في وجدان العالم.
الطحين صار دليلاً على الجريمة
في النهاية، يقف الطحين إلى جوار الجثة شاهداً على الجريمة. ليس فقط جريمة قتل فردية، بل جريمة ضد الإنسانية تُرتكب على مدار الساعة في قطاع غزة. الجوع لم يعد نتيجة حرب، بل صار سلاحًا في يد الاحتلال. والضحايا، مثل هذا الرجل المجهول الذي لم يحمل سلاحًا سوى كيس طحين، هم وقود سياسة إبادة تزداد شراسة يوماً بعد آخر، في ظل غياب العدالة وغياب الضمير.
فهل يتحرّك العالم؟ أم أن الطحين سيظل يُخلط بدماء الأبرياء بينما تواصل إسرائيل عدوانها دون عقاب؟
اقرأ أيضًا : كمين خانيونس.. القسام تنشر مشاهد لمحاولة أسر ضابط إسرائيلي وسط عمليات نوعية