في مشهد جديد من مشاهد المعاناة المركبة التي يعيشها قطاع غزة المحاصر، أعلن مجمع ناصر الطبي في خان يونس جنوبي القطاع عن تسجيل 35 حالة إصابة مؤكدة بالحمى الشوكية بين الأطفال، في تصاعد خطير ينذر بانفجار كارثة صحية تهدد حياة آلاف النازحين.

هذا الإعلان المفزع يعكس حجم التدهور الإنساني والطبي، ويكشف عن مدى التهالك الذي أصاب المنظومة الصحية بفعل الحصار الإسرائيلي المتواصل منذ أكثر من 17 عاماً، والحرب التي لم تتوقف فصولها منذ 7 أكتوبر 2023.

حمى الشوكية في قلب الأزمة.. الأطفال أول الضحايا

الحمى الشوكية أو التهاب السحايا، مرض معدٍ وخطير يمكن أن يؤدي إلى تلف دائم في الدماغ أو الأعصاب، وأحياناً إلى الوفاة، خاصةً عند الأطفال الذين يفتقرون إلى الرعاية الصحية المناسبة. وقد أكد الأطباء في مجمع ناصر أن المرض بات ينتشر بسرعة مرعبة داخل الخيام المكتظة بالنازحين، حيث يفتقر السكان لأبسط مقومات الوقاية الصحية. الأطفال المصابون يعانون من ارتفاع في درجة الحرارة، وتصلب في الرقبة، وقيء متكرر، وفقدان تدريجي للوعي. والكارثة الأكبر أن أجهزة المناعة لدى هؤلاء الأطفال باتت منهكة، بسبب الجوع وسوء التغذية الحاد، مما يجعلهم أكثر عرضة للإصابة بالعدوى وأقل قدرة على مقاومة المرض.

وبحسب مصادر طبية داخل المجمع، فإن 35 حالة إصابة تم تسجيلها خلال أسبوع واحد فقط، وهو ما وصفه الأطباء بأنه “مؤشر وبائي” خطير ينذر بتفشي المرض على نطاق أوسع إذا لم يتم احتواؤه فوراً. وتتعقد الأمور مع غياب المضادات الحيوية الفعالة ونقص الأدوية المخصصة لعلاج هذا النوع من الأمراض العصبية المعدية، وسط تحذيرات من أن يصبح القطاع أمام كارثة صحية لا تقل فتكاً عن القنابل الإسرائيلية.

نقص الأدوية والأسرّة.. ومستشفيات تتحول إلى خيام موت

الواقع في مجمع ناصر الطبي ليس سوى نموذج مصغر لما تعيشه المنظومة الصحية برمتها في غزة، حيث باتت المستشفيات عاجزة عن استقبال المرضى، فيما تمتلئ الممرات بالحالات الطارئة التي لا تجد سريراً أو حتى كرسي علاج. وفي حالة أطفال الحمى الشوكية، اضطرت الطواقم الطبية إلى وضع العديد منهم على الأرض، وسط ارتفاع درجات الحرارة، وتدني النظافة، ونقص في معدات العناية المركزة والأجهزة المساعدة على التنفس.

وقال أحد الأطباء العاملين في قسم الأطفال بالمجمع -فضل عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية- إن “الكوادر الطبية تشعر بأنها عاجزة تماماً، حيث أصبح القرار الطبي يعتمد على الأولويات: من له فرصة أكبر للبقاء على قيد الحياة يُعالج أولاً”. وأضاف: “نفتقر حتى إلى المسكنات الأساسية، ونعاني من نقص في المحاليل الوريدية، ما يجعل من كل حالة طبية أزمة قائمة بذاتها”.

تلك الكارثة لا يمكن فصلها عن الحصار الإسرائيلي الخانق المفروض على قطاع غزة، والذي يمنع دخول الأدوية، ويعطل وصول المعدات الطبية، ويستهدف بشكل مباشر البنية التحتية الصحية. فقد تعرض مجمع ناصر نفسه خلال الشهور الماضية لأضرار بسبب القصف، وتم تدمير أقسام كاملة فيه، كما أُجبرت طواقم طبية على مغادرة مواقعها نتيجة للظروف الأمنية الكارثية

انتهاكات الاحتلال.. جريمة ممنهجة بحق الطفولة في غزة

ما يحدث في قطاع غزة اليوم ليس مجرد “كارثة إنسانية” بالمفهوم التقليدي، بل جريمة ممنهجة ومتواصلة ترتكبها إسرائيل بحق شعب بأكمله، وفي مقدمتهم الأطفال. فإلى جانب المجازر المباشرة التي راح ضحيتها أكثر من 15 ألف طفل منذ بدء العدوان، هناك جريمة أخرى أكثر بطئاً وألماً، وهي الإبادة الصحية من خلال منع العلاج، وتقييد دخول المساعدات، وتدمير المراكز الطبية، والتضييق على فرق الإغاثة.

تُظهر التقارير الدولية أن الاحتلال الإسرائيلي يرفض منح تصاريح عبور للمرضى الفلسطينيين الذين يحتاجون إلى العلاج خارج غزة، حتى في الحالات التي تكون فيها حياة الأطفال مهددة. كما أن استهداف البنية الصحية -بما في ذلك سيارات الإسعاف- بات جزءاً من السياسة الحربية الإسرائيلية المعتمدة، مما حول كل عملية إسعاف أو إخلاء طبي إلى مخاطرة قد تنتهي بالموت على الطريق أو تحت الأنقاض.

وتؤكد منظمات دولية، مثل منظمة الصحة العالمية ومؤسسة “أطباء بلا حدود”، أن غزة تواجه انهياراً تاماً في منظومتها الصحية، بسبب الاستهداف المتعمد من جانب الاحتلال وغياب أي استجابة دولية حقيقية. كما أن مرض الحمى الشوكية وغيره من الأمراض المعدية يجد في هذا الانهيار بيئة خصبة للانتشار، لتتحول خيام النزوح إلى مقابر جماعية صامتة.

بين العجز الدولي واستغاثات القطاع.. من ينقذ أطفال غزة؟

رغم كل التقارير الأممية، والبيانات الحقوقية، والاستغاثات المتكررة من داخل المستشفيات المتهالكة، لا يزال العالم يتعامل مع ما يجري في غزة ببرود فاضح. صرخات الأطباء، ودموع الأمهات، وصرير عربات الإسعاف، وصرخات الأطفال المحمومين، كلها لا تجد من يصغي لها في العواصم الغربية التي تواصل دعمها السياسي والعسكري والمالي للاحتلال.

إن تفشي الحمى الشوكية بين الأطفال اليوم، هو مجرد إنذار لما قد يتبع من أوبئة وأمراض ستفتك بالمدنيين، إذا لم تتحرك الجهات الدولية فوراً لفرض ممرات إنسانية آمنة، وإدخال الأدوية والمستلزمات الطبية، ووقف آلة الحرب التي لا تفرّق بين طفل وجندي.

اقرأ أيضًأ : أرقام كارثية.. كيف تفتك المجاعة بأطفال غزة؟