بينما تتصاعد مشاعر الغضب الشعبي في المغرب ضد العدوان الإسرائيلي على غزة، تستمر في الوقت نفسه، وبوتيرة متصاعدة، عمليات نقل الأسلحة إلى دولة الاحتلال عبر موانئ المغرب، في مشهد يطرح علامات استفهام حول مدى تورط الحكومة المغربية في دعم آلة الحرب الإسرائيلية رغم المواقف الشعبية المنددة.

تقرير موقع “ميدل إيست آي”، الذي أعدته الصحافية كارولين دوبي من مدينة طنجة، يسلّط الضوء على هذا التناقض الصارخ بين ما تريده الشعوب وما تمضي فيه الأنظمة، ويفضح تفاصيل شبكة النقل العسكري التي تمر عبر الأراضي المغربية.

ميرسك والموانئ المغربية: واجهة لوجستية لقتل الغزيين؟

بحسب التقرير، فإن مرور الشحنات العسكرية عبر الموانئ المغربية لم يتوقف، على الرغم من المظاهرات الحاشدة المنددة بالحرب. وتركّز الشحنات بشكل أساسي عبر شركة “ميرسك” الدنماركية، التي تبدو حاضرة بشكل لافت في موانئ مثل طنجة والدار البيضاء.

هذه الشركة، المعروفة عالميًا بخدماتها اللوجستية، لعبت دورًا محوريًا في إيصال مكونات عسكرية حساسة لإسرائيل، وخاصة أجزاء من طائرات إف-35 التي تُستخدم في قصف المدنيين الفلسطينيين.

تتبّعت التحقيقات الاستقصائية، مثل تلك التي أجرتها منظمة “ديكلاسيفايد يو كيه” وموقع “ذا ديتش”، شحنة مهمة انطلقت من ميناء هيوستن في أبريل 2024، ووصلت عبر سفينتين تتبعان ميرسك، إحداهما “ميرسك ديترويت” والأخرى “نيكسو ميرسك”، إلى ميناء طنجة ثم إلى حيفا، قبل أن تُنقل إلى قاعدة نيفاتيم الجوية الإسرائيلية، وهي منطلق الغارات على غزة. هذه السلسلة من النقل تكشف مستوى التنسيق المعقّد بين جهات دولية وحكومات لإمداد الاحتلال بالمعدّات، وسط تعتيم سياسي مغربي على دوره في هذه العملية.

الاحتجاجات والإنكار الرسمي: كذب السياسة وصوت الشارع

ردة الفعل الشعبية لم تتأخر، حيث خرج آلاف المغاربة في مظاهرات احتجاجية في طنجة والدار البيضاء، وقدم ثمانية من عمال الموانئ استقالاتهم تعبيرًا عن رفضهم المشاركة في نقل أدوات القتل. إلا أن الحكومة المغربية التزمت الصمت، كما تجاهلت شركة “ميرسك” بدورها الرد على استفسارات الصحافيين والمحققين بشأن طبيعة الشحنات العسكرية ووجهتها، مفضلة الحديث عن “معدات مخصصة لدول مشاركة في برنامج F-35” دون توضيح أكثر.

هذا الصمت الحكومي، كما يقول الباحث الإسباني أليخاندرو بوزو، المتخصص في قضايا نزع السلاح، ليس بريئًا، بل مقصودًا، وهو في حد ذاته مؤشر على التواطؤ. فبإمكان السلطات المغربية، لو أرادت، أن تعرف تمامًا محتوى أي حاوية ترسو على أراضيها، لكنها تختار تجاهل هذا الحق في سبيل تمرير أجندات دولية تخدم مصالح سياسية وأمنية، من بينها دعم الولايات المتحدة وإسرائيل مقابل اعترافهما بمغربية الصحراء، كما حدث في اتفاقيات التطبيع عام 2020.

دور المغرب في شبكة التطبيع العسكري: الجغرافيا في خدمة الدم

يشير تقرير “ميدل إيست آي” إلى أن منع السلطات الإسبانية لرسو سفن ميرسك المشتبه بها في موانئها خلال نوفمبر 2023، فتح الطريق أمام المغرب ليصبح بديلًا مفضلًا لتلك الشحنات. فالموقع الجغرافي الاستراتيجي للمغرب على مضيق جبل طارق، وقربه اللوجستي من الولايات المتحدة، يجعلان منه ممرًا مثاليًا من حيث التوفير في الوقت والطاقة.

شركة “ميرسك”، وفق ما كشفته وثائق رسمية وبيانات من مركز “ديلاس” الإسباني، مرتبطة ببرنامج “الأمن البحري” الأمريكي، الذي يُلزم الشركات بتوفير سفن لنقل البضائع الحربية مقابل مقابل مالي كبير. ورغم إنكار “ميرسك” أن تكون شحناتها لإسرائيل جزءًا من هذا البرنامج تحديدًا، إلا أن الملحقات والوثائق تثبت العكس، وتكشف أن المغرب بات محطة رئيسية ضمن مسار تسليح إسرائيل.

شراكة سياسية على حساب الضمير الشعبي

منذ توقيع اتفاقيات “أبراهام” في 2020، تسارعت خطوات التعاون العسكري بين الرباط وتل أبيب، وازدادت زيارات وفود عسكرية، وتوسعت الشراكات الاستخباراتية. هذا التحول جعل من المغرب ليس فقط دولة مطبّعة سياسيًا، بل شريكًا لوجستيًا في حروب الإبادة التي تنفذها إسرائيل بحق الفلسطينيين، وخاصة في غزة، كما يؤكد الباحث زين حسين من معهد ستوكهولم لأبحاث السلام (SIPRI).

وقال حسين إن إسرائيل تعتمد بشكل كبير على وارداتها من الأسلحة، وبالذات من الولايات المتحدة، وإن وجود طرق آمنة وموثوقة، مثل المسار المغربي، بات ضرورة استراتيجية لدولة الاحتلال. وبذلك، فإن المغرب – رغم الضغوط الشعبية – لم يعد مجرد دولة تمرّ من خلالها الشحنات، بل طرف فاعل في تسهيلها، بقرار سياسي واضح.

خاتمة: عندما تُهان الإرادة الشعبية

في خضم هذه الكارثة الأخلاقية، تحدثت ناشطة مغربية من منظمة العفو الدولية عن “الألم العميق” الذي يشعر به المغاربة وهم يرون بلادهم متورطة في تسهيل عمليات الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين. وتضيف: “هذه ليست مجرد قضية سياسية، بل مسألة إنسانية، كل طفل يُدفن تحت الأنقاض في غزة، يمثل وصمة عار على كل من سهّل قصفه، سواء كان شركة شحن أو حكومة صامتة”.

ختامًا، فإن ما كشفه التقرير لا يمس فقط السيادة المغربية، بل يعيد طرح السؤال الأهم: ما قيمة التطبيع إذا كان ثمنه هو الإنسانية؟ وهل تقبل الشعوب أن تصبح أراضيها ممرًا لقنابل تسحق الشعوب الأخرى، بينما تنتهك كرامتها في الداخل؟

اقرأ أيضًا : الإبادة الصامتة: كيف تهدد الميليشيا المدعومة من الإمارات حياة أطفال السودان بحرمانهم من اللقاحات؟