في مشهد إنساني يفطر القلوب ويعكس عمق المأساة المتفاقمة في قطاع غزة، حذّر أطباء فلسطينيون من كارثة وشيكة تهدد حياة مئات الأطفال، مع اقتراب نفاد حليب الرضع بشكل شبه كامل في المستشفيات والملاجئ، في ظل الحصار الإسرائيلي الخانق، والتقاعس العربي والدولي عن التدخل لوقف هذه الإبادة البطيئة.

رضّع بلا غذاء: الموت يحوم في حضانات غزة
صحيفة الغارديان البريطانية سلطت الضوء على الأزمة، ناقلة عن الدكتور أحمد الفرا، رئيس قسم الأطفال في مستشفى ناصر بخان يونس، أن ما تبقى لديهم من حليب أطفال لا يكفي سوى لأسبوع واحد، مضيفًا: “نستخدم الآن الحليب العادي للرضع، بعدما نفد مخزون الحالات الطارئة، الوضع كارثي ولا يمكن وصفه”.
مع شحّ الحليب، تلجأ الأمهات إلى بدائل مؤلمة. “هناء الطويل”، أم لخمسة أطفال، قالت إنها غير قادرة على إرضاع طفلها بسبب سوء التغذية الحاد. فيما عبّرت “نورهان بركات”، وهي نازحة من غزة، عن اضطرارها للتوقف عن الرضاعة بعد شهر واحد فقط من الولادة: “أعلم أن الرضاعة تقوي العلاقة بيني وبين طفلي، لكنني جائعة ولا أستطيع حتى الوقوف”.
في وقت تعاني فيه المستشفيات من العجز، ترتفع أعداد الأطفال المصابين بسوء تغذية حاد. مدير منظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم، كشف أن أكثر من 112 طفلًا يُنقلون يوميًا إلى المستشفيات للعلاج من الجوع. ويحذر الأطباء من أن الأضرار في هذه المرحلة العمرية قد تكون دائمة، بل وقاتلة، مؤكدين أن موت الرضع مؤشر خطير على تصاعد المجاعة.
الاحتلال يحاصر الحليب.. وصمت رسمي يعمّق المأساة
المساعدات التي تدخل غزة لا تفي بالحد الأدنى من الاحتياجات. فبينما تؤكد سلطات الاحتلال – ممثلة بهيئة “كوغات” – أنها سمحت بدخول 1400 طن من حليب الأطفال في الأسابيع الماضية، تؤكد تقارير ميدانية من الأطباء والمنظمات الإنسانية أن الكميات لا تصل إلى المستشفيات، وغالبًا ما تُصادر على المعابر، أو يُعاد توزيعها بطرق غير شفافة.
الطبيبة الألمانية الفلسطينية ديانا نزال روت أن قوات الاحتلال صادرت عشر عبوات من حليب الخُدّج من طبيب أمريكي كان ضمن وفد طبي متجه إلى غزة. وأكدت أن الأطباء باتوا يحملون معهم أغذية مرتفعة السعرات بدلًا من المعدات الطبية، في محاولة يائسة لسد فجوات الجوع القاتل.
تتفاقم الأزمة أيضًا مع ازدياد وفيات الأمهات بسبب القصف أو سوء التغذية، مما يمنعهن من الرضاعة الطبيعية ويزيد الاعتماد على حليب الأطفال، الذي أصبح نادرًا في السوق، ووصل سعر العبوة الواحدة في السوق السوداء إلى 50 دولارًا – مبلغٌ خياليٌ لأسر معدمة لا تجد قوت يومها.
وفي ظل هذا المشهد المأساوي، تُتهم “مؤسسة غزة الإنسانية” (GHF)، المدعومة أمريكيًا وإسرائيليًا، بالتورط في تقليص حجم المعونات وتوزيعها بشكل غير كافٍ، في ظل تغييب دور الأمم المتحدة والمنظمات الدولية المستقلة التي كانت تدير المعابر والإغاثة سابقًا.
إبادة جماعية صامتة.. وأجراس الخطر تدق من جديد
بحسب إحصائيات محلية، توفي أكثر من 66 طفلًا فلسطينيًا جوعًا منذ بدء الحرب في أكتوبر 2023، وهو ما دفع منظمة العفو الدولية إلى اتهام إسرائيل باستخدام التجويع كسلاح حرب، في انتهاك صارخ للقانون الدولي.
أما الدكتور ثائر أحمد من منظمة “أفاز”، فاختصر الكارثة بجملة واحدة مؤلمة: “عندما يبدأ الأطفال بالموت، يجب أن تُقرع أجراس الخطر”.
لكن الخطر لا يُقرع في العواصم العربية، حيث لا تزال الحكومات تتلكأ في الضغط على إسرائيل، أو حتى المطالبة الجادة بفتح المعابر أمام الغذاء والدواء، في مشهد يعكس تواطؤًا سياسيًا وإعلاميًا، وصل حدّ التجاهل الكامل لمعاناة الرضع والأمهات في غزة.
كما تتحدث التقارير عن تقليص حاد في عدد الشاحنات التي يُسمح لها بالدخول: أقل من 50 شاحنة يوميًا، في حين أن غزة تحتاج إلى 500 شاحنة يوميًا لتلبية الحد الأدنى من الاحتياجات. وفي مشهدٍ مأساوي، قُتل أكثر من 500 فلسطيني خلال الشهر الماضي أثناء اصطفافهم في طوابير انتظار المساعدات.
الدكتور الفرا يختصر المأساة بقوله: “يجب أن تروا الأطفال القادمين إلينا… مجرد جلد على عظم. المشهد مفزع. الحل الحقيقي هو إنهاء الحرب، وفتح المعابر، والسماح بدخول حليب الأطفال”.
خاتمة: بين الصمت والتجويع.. أطفال غزة وحدهم في المعركة
المجزرة المستمرة بحق أطفال غزة، بالصواريخ حينًا وبالجوع حينًا آخر، تفضح وجه الاحتلال الإسرائيلي، وتكشف حجم التخاذل الدولي والعربي في وقف هذه الكارثة. أطفال حديثو الولادة يُتركون ليموتوا بصمت، دون حتى أن تحرك عواصم القرار ساكنًا.
إن كانت صواريخ الحرب تقتل العشرات في لحظة، فإن الحصار يقتلهم جوعًا وببطء، بينما تتابع شاشات العالم المشهد دون اكتراث، وتواصل الحكومات العربية التطبيع مع القاتل نفسه. في هذه اللحظة، لا يُطلب سوى الحد الأدنى: حليب لأطفال يموتون في الحاضنات، وضمير إنساني لا يخضع للسياسة.
اقرأ أيضًا : نقاط الخلاف تكشف مأزق الاحتلال: “ملاحظات إسرائيل” تهدد اتفاق وقف إطلاق النار في غزة