في مشهد يلخّص وحشية الحرب المستمرة في السودان منذ أكثر من عام، أعلنت هيئة الطب العدلي في العاصمة الخرطوم، اليوم السبت، عن دفن 3800 جثة جُمعت من منازل وساحات المدينة منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.

ويأتي هذا الإعلان في وقت تتزايد فيه الأدلة على تورط جهات خارجية، وعلى رأسها الإمارات، في تمويل وتسليح قوات الدعم السريع، ما يضع علامات استفهام كبرى حول الدور الإقليمي في إذكاء هذه المجازر.

 

الخرطوم تتحول إلى مقبرة جماعية صامتة
وفقًا لتصريحات رئيس هيئة الطب العدلي بولاية الخرطوم، هشام زين العابدين، فإن عملية نقل ودفن الجثث تمت بالتعاون مع عدد من الشركاء المحليين والدوليين، وشملت جثثًا عُثر عليها في منازل المدنيين، وفي الساحات العامة، وداخل المؤسسات الرسمية كالمستشفيات والوزارات والجامعات. وأكد العابدين أن هذه الجثث تم دفنها في مقابر متفرقة في العاصمة، في ظروف تفتقر لأدنى مقومات الكرامة الإنسانية.

وتشير الشهادات الميدانية إلى أن كثيرًا من هذه الجثث ظلّت لأيام وربما أسابيع دون دفن، ما تسبب في كارثة صحية متفاقمة في ظل الانهيار التام للخدمات الطبية والنقل والإسعاف. وفي ظل غياب الدولة وضعف المؤسسات، اضطر السكان إلى دفن ذويهم في الساحات الأمامية للمنازل أو في الحدائق العامة، بل وحتى في باحات المدارس والجامعات، وهي ظاهرة غير مسبوقة في تاريخ العاصمة السودانية.

قوى الموت: الدعم السريع والتمويل الإماراتي
منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023 بين الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، تشير التقارير المستقلة إلى تورط مباشر للإمارات في دعم المليشيات، لا سيما الدعم السريع، بالمال والسلاح والغطاء السياسي. وقد وثّقت منظمات دولية، بينها “هيومن رايتس ووتش” و”مجموعة الأزمات الدولية”، أدلة على نقل أسلحة إماراتية إلى المليشيات عبر قواعد عسكرية في ليبيا وتشاد.

وفي هذا السياق، يُطرح سؤال محوري: من يتحمّل مسؤولية هذه الأعداد الهائلة من القتلى؟ فبينما تعترف الأمم المتحدة بسقوط أكثر من 20 ألف قتيل، تقدّر دراسات جامعية مستقلة، منها تقرير مشترك لجامعتي هارفارد وكولومبيا، عدد الضحايا بأكثر من 130 ألف شخص، أغلبهم من المدنيين الذين قضوا في عمليات الإبادة، أو نتيجة الحصار والمجاعة والأوبئة.

التمويل الإماراتي، وفق هذه الدراسات، لم يقتصر على الجوانب العسكرية فقط، بل شمل حملات تجنيد وتسليح وتموين لوجستي موجهة لقوات الدعم السريع، والتي تورطت في ارتكاب مجازر واسعة في دارفور والخرطوم، ومن بينها أعمال اغتصاب جماعي، إعدامات ميدانية، ونهب واسع للمؤسسات.

حرب بلا نهاية وشعب محاصر بين الموت والصمت
الإحصاءات الرسمية تُظهر جانبًا واحدًا من المأساة، لكنها لا تعبّر عن الحجم الحقيقي للكارثة الإنسانية. فعملية دفن 3800 جثة ما هي إلا جزء من واقع أكبر، حيث يُخشى أن تكون آلاف الجثث الأخرى لا تزال تحت الأنقاض أو في مناطق يصعب الوصول إليها. وتواصل الأمم المتحدة توجيه النداءات العاجلة لوقف الحرب، دون أن تلقى آذانًا صاغية، لا سيما من الأطراف الإقليمية المتورطة في تأجيج الصراع.

وبينما يتحدث الجيش السوداني عن “تحرير” الخرطوم من المليشيات، لا تزال المدينة تواجه أزمة أمنية وصحية كارثية، في ظل شح المواد الغذائية وانقطاع الكهرباء والمياه، وانهيار كامل للبنية التحتية.

وفي ظل هذا الواقع المرير، يبرز سؤال أخلاقي وسياسي كبير: هل سيحاسَب داعمو هذه الحرب؟ وهل ستُفتح ملفات تمويل الموت، وخصوصًا الدور الإماراتي الذي أصبح محل اتهام واسع في السودان والمنطقة؟

خاتمة مفتوحة: من سيحاكم الموتى؟
إن إعلان هيئة الطب العدلي عن دفن آلاف الجثث لا يجب أن يُقرأ فقط كخبر طبي أو إداري، بل هو وثيقة إدانة لحرب لا تزال تُحركها أجندات خارجية، يتقدّمها مشروع إماراتي يسعى لفرض نفوذ عسكري واقتصادي على حساب الدم السوداني. 

وبينما يُدفن الضحايا بصمت، لا تزال قوى إقليمية تموّل أدوات القتل، دون رادع أو محاسبة. ويبدو أن الخرطوم لم تكتفِ بأن تكون عاصمة وطن، بل تحوّلت في عام واحد إلى شاهد حي على مأساة من صنع الأصدقاء المزعومين.

اقرأ أيضًا :