في تصعيد جديد يكشف حالة التفكك داخل التشكيلات المسلحة التي أنشأتها السعودية على حدود اليمن، اندلع تمرد عسكري داخل أحد المحاور الاستراتيجية التابعة لما يُعرف بـ”الجيش اليمني المدعوم من التحالف”، في منطقة البقع الحدودية مع السعودية.
التمرد جاء على خلفية تعيين قائد جديد مثير للجدل، عُرف بفشله العسكري سابقًا، ما أثار رفضًا جماعيًا من الجنود والضباط الذين اعتبروا القرار بمثابة “إهانة وتكرار للكارثة”.

صعدة تشتعل من الداخل.. والتمرد يكشف هشاشة المحاور المدعومة سعوديًا
التمرد العسكري وقع داخل ما يسمى “محور البقع” شرق محافظة صعدة، وهي منطقة حدودية حساسة تتاخم منطقة الخضراء التابعة لنجران السعودية. المحور يخضع لإشراف مباشر من وزارة الدفاع السعودية منذ بداية تشكيله، ويُعدّ بوابة استراتيجية تربط شمال اليمن بالمملكة، وتحاذي منفذ البقع اليمني ومنفذ الخضراء السعودي.
بحسب مصادر ميدانية، فإن التوتر تفجّر بعد قرار تعيين القيادي السلفي رداد الهاشمي قائدًا للمحور، خلفًا للعميد عبد الرحمن اللوم الوادعي. الجنود والضباط المنضوون تحت هذا المحور رفضوا القرار وخرجوا في تظاهرات عسكرية راجلة وعلى متن مركبات عسكرية إلى مقر القيادة، مرددين هتافات تطالب بإلغاء التعيين والإبقاء على القائد السابق.
الرفض لم يكن مجرد مسألة مزاجية، بل جاء مدفوعًا بسجل قاتم يحمله الهاشمي. ففي عام 2019، كان الأخير سببًا في كارثة عسكرية ضخمة أثناء قيادته لمحور كتاف، أدّت إلى وقوع أكثر من 1500 جندي في الأسر على يد جماعة الحوثي، بينهم ضباط سعوديون، بعد أن أوقعهم الحوثيون في كمين محكم في “وادي جبارة”. العملية حينها أحرجت الرياض بشكل بالغ، حيث فشل الطيران السعودي حتى في فك الحصار أو إنقاذ قواته، وجرى اغتنام عشرات المركبات والأسلحة.
الهاشمي يعود.. وجرح كتاف ينزف من جديد
قرار تعيين الهاشمي قائدًا لمحور البقع بعد دمج هذا الأخير مع محور كتاف – الذي لا يزال يقوده فعليًا – جاء ضمن ما يُقال إنه “إعادة هيكلة للتشكيلات الحدودية”، لكن بدا وكأنه إعادة تدوير للفشل ودفن لرؤوس المتورطين في الرمال. إذ أن هذا القرار فُسر لدى المتمردين على أنه تجاهل للكارثة التي قاد إليها الهاشمي قبل سنوات، وإهانة مباشرة لمن قضوا في العملية أو وقعوا في الأسر بسبب سوء قيادته.
وقال أحد المصادر الميدانية في تصريح خاص إن “الهاشمي لا يصلح للقيادة، وملفه معروف للجميع.. نحن نرفضه كشخص وليس القرار بحد ذاته. هذه محاولة لفرض شخصية فاشلة لا تحظى بثقة أحد”، مشيرًا إلى أن المحور يضم مئات الجنود غير مستعدين لتكرار التجربة ذاتها.
المحاور الحدودية.. أدوات سعودية بغطاء يمني
منذ اندلاع الحرب عام 2015، عملت السعودية على إنشاء تشكيلات عسكرية من المرتزقة اليمنيين على امتداد حدودها مع صعدة، في محاولة لعزل أراضيها عن التهديد الحوثي. تمثلت هذه التشكيلات في محاور عسكرية مثل “محور مران” (جنوب غرب صعدة)، “محور علب” (شمال غرب)، “محور البقع”، و”محور كتاف” (شرق صعدة). لكنها في الواقع لم تُثبت كفاءتها القتالية، بل تحوّلت إلى أداة استنزاف للموازنة السعودية، ومصدرًا للفضائح العسكرية التي تُحرجها أمام الرأي العام.
وتخضع هذه المحاور لإشراف عسكري مباشر من قبل ضباط سعوديين، ما حوّل الجنود اليمنيين هناك إلى مجرّد أدوات تنفيذ بقرارات لا تخضع حتى للتشاور معهم. فقرارات التعيين، كما حدث مع الهاشمي، تصدر من الرياض دون الرجوع إلى الميدان، ما يخلق حالة من التذمر والانفجار.
ما وراء التمرد.. فشل التحالف أم انهيار المرتزقة؟
يأتي هذا التمرد في سياق أوسع من الإخفاقات المتكررة للتحالف السعودي الإماراتي في اليمن. فقد فشلت الرياض وأبو ظبي على مدار تسع سنوات في تثبيت سلطة حليفة لهما، أو إحكام السيطرة على مناطق نفوذهما حتى في الشمال الحدودي. بل إن هذه التشكيلات – رغم الدعم المالي والتسليحي – أظهرت هشاشة مفرطة بمجرد غياب الطيران أو حدوث تغييرات في القيادة.
كما يعكس التمرد انهيار الروح المعنوية لدى الجنود الميدانيين الذين باتوا يرون أن من يقودهم لا يحميهم بل يزج بهم في كمائن، وأن السعودية تفرض عليهم شخصيات دون اعتبار للكفاءة أو التضحيات.
والأخطر أن حالة الفوضى داخل هذه المحاور قد تمهد لحدوث انشقاقات أوسع، خاصة في ظل صعود الحوثيين ميدانيًا على جبهات الحدود، وتراجع زخم المعارك التي تقودها قوات التحالف.
من التمرد إلى التفكك.. نحو نهاية المشروع السعودي الإماراتي في اليمن؟
ما جرى في محور البقع ليس مجرد حالة تمرد محلية، بل مؤشر جديد على تصدّع المشروع العسكري السعودي الإماراتي في اليمن. فقد أثبتت السنوات الماضية أن الرياض وأبو ظبي، بدلًا من بناء جيش وطني يمني موحد، عملتا على تفتيت المؤسسة العسكرية وتحويلها إلى كانتونات تابعة لهما، تحركها المصالح لا الوطنية.
أما اليوم، فبدأت هذه الكانتونات تتآكل من الداخل، وتشهد تمردات ورفضًا علنيًا للقرارات الآتية من الرياض. وهو ما قد يفتح الباب أمام إعادة رسم المشهد العسكري على الحدود، إما بانهيار كامل لهذه المحاور، أو تصاعد التوتر مع القوات السعودية نفسها.
في النهاية، ما زرعته السعودية والإمارات في اليمن من تقسيم، وتوظيف مرتزقة بلا مشروع وطني، يعود اليوم ليحرق أصابعهم على حدودهم الجنوبية.
اقرأ أيضًا : كارثة تقتل في صمت: الرضع في غزة يواجهون الموت جوعًا وسط إجرام الاحتلال وتواطؤ عربي