في وقتٍ تتصاعد فيه مشاهد القتل والدمار في قطاع غزة، ويقف العالم بين متضامن ومتواطئ، خرج السياسي المصري البارز والمرشح الرئاسي السابق أحمد الطنطاوي بتصريحات نارية حمّل فيها النظام المصري مسؤولية تاريخية وأخلاقية عن موقفه من المجازر التي ترتكبها “إسرائيل”، واصفًا تعامل السلطات مع العدوان بأنه “مخزٍ” و”يُناقض كل ما عرفته مصر من كرامة قومية وعداء مبدئي للعدو الصهيوني”.

“لو كنت رئيسًا.. لفتحت معبر رفح فورًا”

في مقابلة حصرية شدد الطنطاوي على أن موقف القاهرة الرسمي من الحرب على غزة لا يرقى إلى مستوى التحديات الإنسانية والسياسية التي يواجهها الفلسطينيون، مضيفًا: “لو كنت رئيسًا لمصر، لما سمحت لإسرائيل بالتمادي بهذا الشكل، ولفتحت معبر رفح فورًا، ولم أكن لأمنع أي شكل من أشكال التضامن الشعبي مع غزة”.

وذهب الطنطاوي إلى أبعد من ذلك عندما اتهم السلطات المصرية بالتقاعس المتعمّد عن أداء دورها الطبيعي في الدفاع عن الشعب الفلسطيني، قائلًا إن مصر ليست مجرد وسيط بين الأطراف، بل ينبغي أن تكون طرفًا فاعلًا في كبح الإجرام الإسرائيلي ودعم حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف.

ورأى الطنطاوي أن الكيان الصهيوني ما كان ليتجرأ على استهداف المتضامنين الدوليين، أو حصار مليونَي إنسان في قطاع غزة، لو علم أن مصر، بثقلها الجغرافي والتاريخي، ترفض التواطؤ وتفتح ذراعيها للمقاومة وللمعابر الإنسانية.

سجون النظام وملاحقة الضمائر الحية

وتأتي هذه التصريحات بعد أسابيع من إفراج النظام المصري عن الطنطاوي الذي كان معتقلًا على خلفية نشاطه السياسي ومحاولته الترشح في الانتخابات الرئاسية. وقد كشف الطنطاوي عن أن أولى التهم التي وُجهت له كانت “محاولة قلب نظام الحكم بالقوة العسكرية”، وهو ما اعتبره دلالة على عجز السلطة عن التعامل مع المعارضة السلمية.

وفي حديثه، أكد أن نحو 150 من أعضاء حملته الانتخابية وزملائه وأساتذته لا يزالون قيد الاعتقال، مشيرًا إلى أن من بينهم المهندس يحيى حسين عبد الهادي الذي لا يزال محتجزًا في مستشفى السجن رغم حالته الصحية.

وبأسى ممزوج بالأمل، عبّر الطنطاوي عن شعوره بالعجز تجاه هؤلاء المناضلين، لكنه في الوقت ذاته تمسّك بالإيمان بأن “الظلم إلى زوال، وأن المستقبل الذي نحلم به قادم”، موجهًا رسائل ضمنية إلى النظام الحاكم بأن الزمن لا يرحم الطغاة، وأن الشعوب لا تنسى من وقف معها أو خذلها.

صوت الضمير في زمن الصمت الرسمي

لم تكن تصريحات الطنطاوي مجرد تسجيل موقف سياسي، بل مثّلت نداءً ضميريًا وسط صمت النخب الرسمية وتجاهل الإعلام المحلي، في لحظةٍ تغيب فيها مواقف الشجاعة لصالح حسابات المصالح الضيقة.

ووصف الطنطاوي تجربة اعتقاله بأنها قاسية لكنها صقلته إنسانيًا وأخلاقيًا، وأعطته الفرصة ليدرك كم أن الأحرار داخل السجون هم أوفى من كثير من القابعين خارجها. وأضاف: “شعرت أنني جزء من جماعة تشارك الألم بكبرياء، وتحمل الأمل بشجاعة”، في إشارة إلى تضامن المعتقلين السياسيين الذين لا زالوا يؤمنون بالتغيير السلمي وبقيم الحرية.

الجدير بالذكر أن الطنطاوي كان قد انسحب من سباق الرئاسة بعد أن عرقلت السلطات المصرية حصوله على التوكيلات اللازمة، ورغم ذلك قُدم للمحاكمة وصدر ضده حكم بالحبس، ونُفذ عليه الحكم مباشرة داخل قاعة المحكمة، في مشهد وصفه الحقوقيون بأنه انتهاك صارخ لحقوق التعبير والعمل السياسي السلمي.

نهاية عهد الصمت قادمة؟

تتزامن تصريحات الطنطاوي مع حالة من الاستياء الشعبي المتزايد في مصر تجاه الموقف الرسمي من العدوان على غزة، حيث يتهم ناشطون النظام بالتواطؤ عبر إغلاق معبر رفح لفترات طويلة، ومنع التظاهرات، وتضييق الخناق على كل من يحاول دعم القضية الفلسطينية.

وتأتي هذه المواقف الرسمية المصرية رغم خطب وتصريحات النظام التي تزعم دعمها لغزة، ما يكشف، وفق محللين، عن تناقض فاضح بين الخطاب الإعلامي والممارسات الفعلية، وهي مفارقة لم يتردد الطنطاوي في فضحها وتفنيدها.

واختتم الطنطاوي حديثه بتحذير تاريخي: “التاريخ لا يرحم، وسيحاسب النظام المصري على كل لحظة صمت وكل فرصة ضاعت في الوقوف مع المظلومين في غزة. من يحكم اليوم لن يكون في الحكم غدًا، لكن آثار أفعاله ستبقى شاهدة عليه أمام الأجيال القادمة.”

اقرأ أيضًا : كمين الشجاعية.. ضربة محكمة لسرايا القدس تهز جيش الاحتلال في غزة