في اعتراف غير مسبوق يعكس تغيرًا في موازين القوة الإقليمية، أقرّ مسؤول عسكري إسرائيلي لوكالة “رويترز” بأن الضربات الجوية الإيرانية التي وقعت الشهر الماضي استهدفت بالفعل عدة مواقع عسكرية تابعة للاحتلال داخل الأراضي المحتلة، مؤكدًا أن “عددًا قليلًا جدًا” من هذه المواقع تضرر، لكنها لا تزال تعمل.
هذا التصريح، رغم تحفظه، يمثل أول اعتراف رسمي من جيش الاحتلال الإسرائيلي بوقوع إصابات مباشرة في قواعده العسكرية جراء هجوم إيراني، في سابقة تحمل دلالات عميقة حول تغير قواعد الاشتباك في المنطقة.

صدمة الاعتراف: بين التعتيم والواقع المفروض
على مدار عقود، حافظ الاحتلال الإسرائيلي على سياسة “الغموض” والإنكار في كل ما يتعلق بالهجمات الخارجية التي تنجح في اختراق منظوماته الدفاعية، وخاصة حين يتعلق الأمر بهجمات قادمة من إيران. لكن الاعتراف الجديد، وإن جاء بصيغة مقيدة من دون ذكر حجم الخسائر أو أسماء القواعد المستهدفة، يكشف أن إسرائيل باتت عاجزة عن إخفاء الحقائق في ظل التقدم الكبير في تقنيات الرصد والتحليل، سواء عبر الأقمار الصناعية أو تقنيات تحليل البيانات الرادارية.
التحقيق الذي نشرته صحيفة “التلغراف” البريطانية لعب دورًا مركزيًا في كسر حاجز الصمت، حيث كشف أن خمسة مواقع عسكرية إسرائيلية على الأقل، من بينها قاعدة تل نوف الجوية، وقاعدة تسيبوريت قرب الناصرة، قد أصيبت بشكل مباشر خلال الهجمات الإيرانية الأخيرة التي استمرت 12 يومًا. كما أظهرت صور الأقمار الصناعية وبيانات الرادار، التي حصل عليها باحثون من جامعة ولاية أوريغون، أن ستة صواريخ إيرانية نجحت في إصابة أهدافها بدقة في الشمال والوسط والجنوب، رغم ما تروّج له إسرائيل بشأن فاعلية منظومتها الدفاعية “القبة الحديدية”.
هذا الكشف يضرب في عمق الدعاية الإسرائيلية التي طالما قدمت نفسها كقوة منيعة أمام الصواريخ والطائرات المسيّرة، ويزيد من حرج الحكومة أمام جمهورها، خاصة في ظل تعتيم رقابي صارم يمنع تداول هذه الأخبار داخل إسرائيل.
انهيار رواية “الردع” وتحوّل استراتيجي في التوازن
ربما الأخطر من الاعتراف نفسه هو ما يترتب عليه استراتيجيًا، فالمؤسسة العسكرية الإسرائيلية طالما روجت لفكرة الردع المتبادل مع إيران، بمعنى أن طهران لن تجرؤ على ضرب العمق الإسرائيلي بشكل مباشر خوفًا من الرد الساحق. لكن ما جرى مؤخرًا أثبت العكس، فقد استطاعت إيران لأول مرة منذ عقود، تجاوز كل الخطوط الحمراء، وضرب مواقع عسكرية، وبالذات قواعد استخباراتية ومنشآت لوجستية، دون أن تتمكن إسرائيل من صد هذه الهجمات بشكل فعال.
والأدهى أن هذه الضربات لم تكن رمزية، بل تبعتها سلسلة هجمات أخرى أدت إلى تدمير مرافق نفط وطاقة، وإلحاق أضرار فادحة بمعهد “وايزمان” العلمي، والمركز الطبي لجامعة “سوروكا”، بل وتدمير أحياء سكنية بالكامل، مما أسفر عن تشريد أكثر من 15 ألف مستوطن. هذا كله يشير إلى أن إسرائيل دخلت في مرحلة جديدة من العجز العملياتي أمام صواريخ دقيقة وبعيدة المدى، أصبحت تصل إلى أهدافها رغم كل التحصينات.
في هذا السياق، فإن تحذيرات اللواء إبراهيم جباري، مستشار قائد الحرس الثوري الإيراني، تبدو أكثر مصداقية من أي وقت مضى، حيث أكد أن إيران تستطيع مواصلة إطلاق الصواريخ يوميًا ولمدة عامين، مشيرًا إلى امتلاك الجمهورية الإسلامية لمنشآت صاروخية تحت الأرض “هائلة الحجم”، لم يُكشف عن معظمها حتى الآن.
خيارات محدودة أمام تل أبيب ومأزق سياسي وأمني
إزاء هذا التصعيد الخطير، تبدو خيارات حكومة الاحتلال محدودة للغاية. فمن ناحية، فإن أي رد عسكري مباشر على إيران قد يفتح بابًا واسعًا لحرب إقليمية شاملة لا ترغب إسرائيل ولا حلفاؤها الغربيون بخوضها في الوقت الراهن. ومن ناحية أخرى، فإن التهاون وعدم الرد يضعف مصداقية الحكومة الإسرائيلية داخليًا، ويهز ثقة الشارع بقدرة الجيش على حمايته، خصوصًا بعد توالي الفضائح الأمنية والعسكرية في السنوات الأخيرة.
ومما يزيد الوضع تعقيدًا أن الرقابة العسكرية الإسرائيلية تمنع تداول هذه المعلومات داخل الأراضي المحتلة، ما يعني أن غالبية المجتمع الإسرائيلي لا يعلم حجم الضرر الفعلي الذي لحق بالبنية العسكرية والمدنية، وهو ما قد يتسبب في صدمة جماعية لاحقًا عند الكشف التدريجي عن حجم الخسائر.
الاعتراف الإسرائيلي، وإن جاء متأخرًا وبصيغة ملطّفة، يكشف أن المعركة بين إيران والاحتلال دخلت مرحلة جديدة لم تعد فيها “الضربات الاستباقية” حكرًا على تل أبيب، بل أصبح الرد بالمثل، وبأسلوب أكثر دقة وفعالية، ممكنًا وواقعيًا من قبل إيران وحلفائها في المنطقة.
خاتمة: هل فقد الاحتلال تفوقه الاستراتيجي؟
الجواب المختصر: نعم، ولو جزئيًا. فإسرائيل اليوم تقف أمام واقع جديد يفرض عليها إعادة حساباتها العسكرية والسياسية. لم تعد القواعد محصنة، ولا المدن الكبرى آمنة، ولا “القبة الحديدية” كافية. لقد دخلت المنطقة عصر “الاشتباك المتبادل الفعّال”، حيث لم يعد أحد في مأمن، ولا أحد قادر على احتكار النصر.
والسؤال الأكبر الذي يطرح نفسه اليوم: هل ستبادر إسرائيل إلى تغيير قواعد اللعبة، أم أنها ستنتظر الضربة القادمة؟
اقرا أيضًا : طلاب وأساتذة يواجهون إدارة ترامب في المحكمة: معركة حرية التعبير ودعم فلسطين