في مشهد يعكس حالة الخوف والشلل التي تهيمن على المؤسسات الدينية في مصر، لم يصمد بيان الأزهر الشريف الأخير بشأن مجازر غزة سوى دقائق معدودة قبل أن يتم حذفه بشكل مفاجئ من صفحته الرسمية على “فيسبوك”، دون أي توضيح أو اعتذار أو تفسير من مشيخة الأزهر حتى لحظة كتابة هذا التقرير.
البيان، الذي بدا وكأنه صوت الضمير العربي الوحيد في خضم صمت رسمي عربي مخزٍ، تضمن عبارات قوية تُدين المجاعة المفروضة على أكثر من مليوني إنسان في غزة، ونداءات إلى “أصحاب الضمائر الحية في العالم” للتدخل العاجل لوقف ما وصفه بـ “جريمة الإبادة الجماعية مكتملة الأركان”.
لكن المفاجأة لم تكن في البيان، بل في اختفائه السريع. فالمحتوى الذي أعاد للأزهر بعضاً من بريقه المفقود، اختفى فجأة، مما أثار تساؤلات عميقة حول من اتخذ قرار الحذف، ولماذا؟

قبضة السيسي ومحاولة إسكات آخر الأصوات
التحليل الأولي يشير بوضوح إلى أن القرار لم يكن من داخل الأزهر ذاته، بل على الأرجح جاء استجابة لضغوط مباشرة من أجهزة النظام، في مقدمتها جهاز الأمن الوطني، الذي بات يشرف فعليًا على محتوى المؤسسات الدينية والإعلامية، ويمارس وصايته على ما يُنشر في الفضاء العام، حتى لو كان صرخة ضد الجوع والقتل في غزة.
عبد الفتاح السيسي، الذي قدّم نفسه في المحافل الدولية كوسيط سلام وضامن لاستقرار الشرق الأوسط، يقود نظامًا لا يحتمل حتى بيانًا إنسانيًا من مؤسسة عمرها أكثر من ألف عام، فيما يبدو أنه قلق من أي تحرك أو تعبير شعبي قد يُستغل كوقود لغضب اجتماعي محتمل ضد النظام، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية المتدهورة داخليًا.
الأزهر الذي كان تاريخيًا منبرًا للمواقف الجريئة ضد الاستعمار والظلم، بات اليوم مُقيدًا بسلاسل الرقابة الأمنية. فأن تُحذف صرخة ضد التجويع والإبادة لأن فيها “كلمات قوية”، هو إدانة مباشرة لتدخل السلطة التنفيذية في إدارة الشأن الديني، وتأكيد على أن المؤسسة العريقة باتت تُدار عن بُعد من قصر الاتحادية، لا من مشيخة الأزهر في الحسين.
غضب شعبي واسع وصدى مستمر رغم الحذف
ورغم حذف البيان من الصفحات الرسمية، لم تستطع السلطة منعه من الانتشار. فقد تداول ناشطون ونشطاء إعلاميون البيان بشكل واسع، مشيدين بمضمونه، ومستنكرين حذف ما وصفوه بـ “أشرف ما كُتب عن غزة منذ بداية الحرب”. وانتشرت نسخ من البيان على صفحات غير رسمية، وجرى ترجمته إلى لغات عدة، مما جعله أكثر حضورًا رغم الحذف الرسمي.
ويُنظر إلى البيان، وإن لم يُعمّر طويلًا على الصفحة الرسمية، على أنه مؤشر لما يمكن أن تكون عليه المؤسسة الأزهرية لو أُعيد لها استقلالها وهيبتها، بعيدا عن قبضة السلطة. فقد استخدم البيان لغة دينية وإنسانية صارخة، واتهم الاحتلال بارتكاب جريمة “إبادة جماعية”، بل ذهب إلى حد تحميل المسؤولية الأخلاقية والدينية لكل من يزود إسرائيل بالسلاح أو يغض الطرف عن جرائمها، معتبرًا أنه “شريك في الإبادة”.
كما دعا البيان إلى إدخال المساعدات الطبية والإنسانية فورًا إلى غزة، وفتح الممرات للمرضى، ووقف استهداف المستشفيات، في عبارات تلامس جوهر الأزمة بعيدًا عن اللغة الدبلوماسية الباردة التي تتبناها عادة البيانات الرسمية للدول.
هل انتهى دور الأزهر كمؤسسة مستقلة؟
حذف بيان غزة يعكس ببساطة المآل الذي وصلت إليه مؤسسة الأزهر: منارة العلم والاستقلال، تحوّلت إلى ذراع ناعم للنظام، يُستخدم وقت الحاجة، ويُكتم صوته إذا رفعه خارج السياق المُراد. وفي ظل سيطرة السلطة على اختيار شيخ الأزهر، وتعيين القيادات داخل الجامعة والمشيخة، وفرض سقف صارم للمواقف والفتاوى، فإن من يطالب الأزهر اليوم بالتحرّك، يطالب فعليًا نظام السيسي نفسه، لا المؤسسة الدينية.
لقد مثّل الأزهر لعقود طويلة خط الدفاع الروحي والمعنوي عن قضايا الأمة، ووقف مشايخه الأوائل في وجه الاستعمار البريطاني والفرنسي، ورفضوا التطبيع، ودافعوا عن القدس. لكن تلك التقاليد انكسرت تحت بيادات الدولة الأمنية، التي باتت تضع يدها على كل شيء.. حتى على صوت الإمام.
خاتمة: بيان تم حذفه.. لكنه فضح الجميع
رغم أن بيان الأزهر لم يصمد سوى دقائق، إلا أنه كشف الكثير. كشف أن المؤسسة لا تزال تحتفظ ببعض أصداء الضمير، لكنه أيضًا كشف حجم القمع والسيطرة التي تمارسها السلطة على كل من يحاول التنفس خارج الإطار المرسوم. كشف أن الحديث عن استقلالية الأزهر وهمٌ كبير، وأن النظام مستعد لحذف الإنسانية من منصات الدولة حتى لا يُحرّج حلفاءه أو يُثير شارعًا غاضبًا.
وبينما تُسفك الدماء في غزة وتتفشى المجاعة، فإن حذف البيان لا يُدين الأزهر فقط، بل يُدين نظامًا لا يريد حتى سماع صوت الحق، ولو خرج همسًا من خلف أبواب الأزهر الشريف.
اقرأ أيضًا : في ظل خذلان عربي مدوٍ.. اجتماع طارئ للجامعة العربية يبحث المجاعة المتفاقمة في غزة