في ظل تصاعد أهوال الحرب الدائرة في السودان، انفجرت أزمة صحية جديدة على جانبي الحدود مع تشاد، تمثلت في تفشٍّ خطير لوباء الكوليرا، لا سيما في مدينة “طويلة” الواقعة غربي الفاشر بإقليم دارفور، وامتدادا إلى مخيمات اللاجئين بشرق تشاد. وتحوّلت المناطق التي يفرّ إليها المدنيون هربًا من الحرب إلى بؤر موبوءة، تعاني من نقص في المياه الآمنة والصرف الصحي، وسط تحذيرات من منظمات دولية من كارثة وشيكة تهدد أكثر من مليون ونصف نازح ولاجئ.

ورغم فداحة الوضع، لم تخرج التحذيرات الإنسانية عن مسارها التقليدي، في حين تتجه أصابع الاتهام إلى الإمارات بوصفها الراعي الأول للميليشيات المتصارعة، وعلى رأسها قوات الدعم السريع، التي تسهم في تعميق الكارثة الإنسانية عبر ممارسات التهجير القسري، ونهب المرافق الصحية، وإشعال الحرب التي تسببت أصلا في انهيار القطاع الطبي والبنى التحتية في دارفور ومحيطها.

“طويلة”.. من ملاذ آمن إلى بؤرة موبوءة

مدينة “طويلة” الواقعة على بعد نحو 68 كيلومترا غربي الفاشر تحوّلت خلال الأشهر الماضية إلى وجهة أساسية للنازحين الفارين من معسكرات زمزم وأبو شوك، بعد اشتداد القتال في مدينة الفاشر. ورغم ما تتمتع به المدينة من استقرار نسبي نتيجة لحياد حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد نور التي تسيطر عليها، فإن شحّ الخدمات الأساسية وغياب الاستجابة الدولية جعلاها عرضة لانتشار الأوبئة، وفي مقدمتها الكوليرا.

وكشفت المنسقية العامة للنازحين واللاجئين بدارفور عن تسجيل 26 حالة وفاة وأكثر من 1430 إصابة مؤكدة بالكوليرا، بمعدل إصابة يومي يتراوح بين 45 و90 حالة، وسط غياب المستلزمات الطبية الأساسية، وعدم وجود مراكز عزل صحية مجهزة.

وتحدثت نازحات عن مشاهد مأساوية، حيث قالت فاطمة عثمان، وهي أم لأربعة أطفال، إنها “هربت من الحرب لتجد نفسها في مواجهة مرض قاتل لا يرحم الأطفال ولا الكبار”، مضيفة “هربنا من الموت بالنار، لكننا وقعنا في فخ الموت بالوباء”.

كارثة ممتدة إلى داخل تشاد

لم يتوقف التفشي عند الحدود السودانية، فقد أعلنت وزارة الصحة التشادية عن ظهور إصابات مؤكدة بالكوليرا في مخيم “دوكي” للاجئين بشرقي البلاد، بعد تسجيل أربع حالات وفاة وعشرات الإصابات المشتبه بها. وتدق هذه الأرقام ناقوس الخطر، خاصة أن اللاجئين في تشاد يعيشون أوضاعًا مأساوية في أكثر من 20 مخيمًا مكتظًا، دون مياه نظيفة أو صرف صحي أو خدمات طبية كافية، وسط انخفاض الدعم الدولي، لاسيما بعد وقف الولايات المتحدة مساعداتها عن طريق الوكالة الأميركية للتنمية (USAID).

وبينما ألقت تشاد اللوم على عجز السكان عن الالتزام بإجراءات النظافة أو دفن الضحايا دون إشراف صحي، فإن السبب الجذري لتفشي الوباء هو الانفجار الديمغرافي الناجم عن الحرب في السودان، التي دفعت أكثر من 500 ألف لاجئ إلى عبور الحدود نحو تشاد خلال عام واحد فقط.

الإمارات.. اللاعب الخفي وراء الكارثة

في خضم هذه الكارثة، يتنامى الغضب من الدور الإماراتي في تغذية الصراع السوداني عبر دعمها المباشر لقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي”، والتي تورطت في جرائم إبادة وتهجير ممنهج خاصة في دارفور. وقد وثقت تقارير أممية ودولية، وكذلك تسريبات استخباراتية، إرسال الإمارات شحنات أسلحة عبر ليبيا إلى ميليشيات حميدتي، رغم التحذيرات من تفاقم الأزمة الإنسانية.

وبينما تعاني مناطق مثل “طويلة” و”دوكي” من انعدام الخدمات الأساسية، فإن الدعم الإماراتي للميليشيات ساهم في تدمير مرافق البنية التحتية، بما فيها المستشفيات ومصادر المياه، ما أدى إلى توفير البيئة المثالية لتفشي الأوبئة.

وقد دعا ناشطون سودانيون ومنظمات حقوقية إلى فتح تحقيق دولي حول “دور الإمارات في التسبب غير المباشر في الكارثة الصحية الراهنة”، مشيرين إلى أن “من يموّل الحرب مسؤول عن نتائجها”، بما في ذلك الأمراض والقتل البطيء للسكان المهجّرين.

استجابة دولية محدودة ومخاوف من الأسوأ

رغم التحذيرات الصادرة عن الأمم المتحدة التي أشارت إلى خطر الكوليرا والحصبة والملاريا على مئات الآلاف من النازحين في شمال دارفور، فإن الاستجابة الدولية لا تزال دون المستوى المطلوب. ويُظهر تقرير مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) أن هناك حاجة إلى 120 مليون دولار خلال الأشهر الثلاثة القادمة فقط، لتقديم الحد الأدنى من الغذاء والمياه والعلاج والمأوى.

ومع انقطاع الإنترنت في الفاشر وصعوبة الوصول إلى المناطق المتضررة، تزداد صعوبة الرصد والمتابعة الوبائية، فيما أُغلق أكثر من 32 مرفقًا صحيًا بسبب انعدام الأمن، ما يهدد بخروج الوضع عن السيطرة، إذا لم تُبادر الجهات الدولية لتقديم دعم سريع وكاف.

خاتمة: كارثة مركّبة ومسؤولية مُغفلة

إنّ ما تشهده حدود السودان وتشاد من انتشار مروّع للكوليرا ليس مجرد أزمة صحية عابرة، بل نتيجة مباشرة لصراع مسلّح دمّر البنى التحتية، وأجبر مئات الآلاف على الفرار نحو المجهول. وتتحمل الإمارات قسطًا كبيرًا من المسؤولية، كونها أحد أبرز ممولي ميليشيات الحرب، ومسهّلي انتشار الفوضى. وإذا استمر الصمت الدولي حيال هذا الدور، فإن الموت لن يتوقف عند حدود “طويلة” و”دوكي”، بل سيمتد إلى مناطق أوسع، ويعيد إلى الأذهان كوارث إنسانية نسيها العالم، لكنه لم يتعلم منها.

اقرأ أيضًا : قرار تاريخي يربك حسابات الاحتلال.. فرنسا تعترف رسميًا بدولة فلسطين