في تصعيد جديد ضد الحراك الداعم لفلسطين في بريطانيا، أعلنت شرطة مكافحة الإرهاب توقيف شاب خامس على خلفية احتجاج نفذه نشطاء من مجموعة “حركة فلسطين” داخل قاعدة “بريز نورتون”، كبرى القواعد الجوية التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني، في يونيو الماضي. 

التوقيف يأتي بعد سلسلة اعتقالات طالت أربعة نشطاء آخرين، وجهت إليهم تهم تتعلق بـ”الإرهاب”، ما يثير تساؤلات واسعة حول مدى استخدام القوانين الأمنية لتكميم الأفواه والتضييق على المعارضة المناهضة للحرب في غزة.

 

“الطلاء الأحمر” يكشف الوجه الآخر للسياسة البريطانية

في فجر 20 يونيو/حزيران الماضي، تمكن عدد من نشطاء “حركة فلسطين” (Palestine Action) من التسلل إلى قاعدة “بريز نورتون” العسكرية، وقاموا بطلاء محركات طائرتين عسكريتين من طراز “فوياجر” باللون الأحمر، قبل استخدام أدوات حديدية لإتلاف أجزاء منها. العملية كانت رمزية ومباشرة: الطلاء الأحمر جسّد “دماء المدنيين” التي تُسفك في غزة، فيما اعتبر الناشطون أن الطائرات البريطانية تشارك فعليًا في “جرائم الحرب” عبر الدعم اللوجستي للعمليات الإسرائيلية من قاعدة أكروتيري البريطانية في قبرص.

الاحتجاج كان صدمة للمؤسسة العسكرية البريطانية التي سارعت، عبر أذرعها الأمنية، إلى فتح تحقيق واسع انتهى بإلقاء القبض على أربعة نشطاء، تتراوح أعمارهم بين 22 و35 عامًا، وتوجيه تهم إليهم شملت “التآمر لإتلاف ممتلكات حكومية” و”التآمر للدخول غير المشروع لموقع عسكري بقصد الإضرار بالمصالح القومية للمملكة المتحدة”.

ورغم أن العملية لم تسفر عن إصابات بشرية، إلا أن الشرطة قالت إن قيمة الأضرار بلغت نحو 7 ملايين جنيه إسترليني (ما يعادل 9.5 مليون دولار)، في خطوة تهدف، على ما يبدو، إلى تضخيم الحدث وشرعنة الرد الأمني المشدد.

من الاحتجاج إلى الإرهاب.. قمع منظم لحرية التعبير

بعد أقل من أسبوع على العملية، تحركت حكومة ريشي سوناك بسرعة لإدراج مجموعة “حركة فلسطين” ضمن قائمة “المنظمات الإرهابية”، مما يعني أن الانتماء للحركة أو دعمها (حتى عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو التبرعات) قد يؤدي إلى عقوبة بالسجن تصل إلى 14 عامًا.

الاتهامات الموجهة للناشط الخامس، الذي تم توقيفه هذا الأسبوع ويبلغ من العمر 22 عامًا، تعكس ذات التوجه الأمني، حيث قالت الشرطة إنه “مشتبه في ضلوعه بأعمال إرهابية، بما في ذلك التحضير لها أو التحريض عليها”، وذلك رغم الطابع الاحتجاجي السلمي للعملية.

ويأتي ذلك في سياق حملة متصاعدة من الحكومة البريطانية لتضييق الخناق على الأصوات المؤيدة للفلسطينيين، لا سيما بعد تزايد الضغط الشعبي ضد سياسات لندن الداعمة لإسرائيل خلال عدوانها المستمر على قطاع غزة، والذي تسبب حتى الآن في استشهاد أكثر من 39 ألف فلسطيني، معظمهم من النساء والأطفال، وفق تقارير أممية.

الرد الأمني لم يتوقف عند الاعتقال والتجريم، بل شمل أيضًا تشويه صورة الحركة في الإعلام، وربطها بـ”الإرهاب الداخلي” رغم أن نشاطها تمحور منذ تأسيسها حول العمل السلمي المباشر لإيقاف الشركات المتورطة في توريد السلاح إلى إسرائيل، مثل شركة “إلبت سيستمز” الإسرائيلية وشركات بريطانية أخرى.

الانتقادات الدولية تتزايد: “إساءة استخدام لتشريعات الإرهاب”

التحركات البريطانية لم تمر دون رد دولي. ففي 25 يونيو الماضي، أعرب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك عن “قلقه البالغ” من قرار بريطانيا حظر “حركة فلسطين”، واصفًا ذلك بأنه “إساءة استخدام مقلقة لتشريعات مكافحة الإرهاب”.

وقال تورك إن القرار “غير متناسب وغير ضروري”، مؤكدا أنه “يقيد الحقوق الأساسية لمئات الأشخاص الذين لم يتورطوا في أي نشاط إجرامي، بل مارسوا حقهم في التعبير والتجمع السلمي وتكوين الجمعيات”. وطالب الحكومة البريطانية بإلغاء القرار، في رسالة ضمنية تحذر من خطر استخدام قوانين الإرهاب كأداة سياسية لقمع الحركات المعارضة.

ويشير مراقبون إلى أن هذه ليست المرة الأولى التي تستخدم فيها لندن قوانين الإرهاب لقمع الحركات السياسية. فقد سبق أن واجه نشطاء بيئيون ومن مؤيدي الحريات المدنية اتهامات مماثلة، ما أدى إلى تصاعد القلق من تآكل الحريات في البلاد.

الوجه الحقيقي: دعم بريطاني خفي لحرب التجويع في غزة

القضية تأخذ أبعادًا أوسع عند النظر إلى السياق السياسي والأخلاقي الأعم. فقاعدة “بريز نورتون” التي انطلقت منها الطائرات البريطانية باتجاه قاعدة “أكروتيري” القبرصية، تُستخدم لدعم العمليات الجوية الإسرائيلية في غزة. ورغم نفي الحكومة البريطانية مشاركتها المباشرة في الحرب، فإن الدعم اللوجستي والاستخباراتي للجيش الإسرائيلي عبر هذه القواعد أمر موثق في تقارير عديدة.

ويأتي هذا في وقت يتزايد فيه الغضب الشعبي داخل بريطانيا من دور حكومتها في “التواطؤ” مع جرائم الحرب، لا سيما بعد ظهور تقارير عن منع المساعدات، واستهداف المدنيين، وتجويع سكان القطاع المحاصر.

احتجاج “حركة فلسطين” لم يكن إلا صرخة في وجه هذه السياسات، لكنه واجه بطشًا أمنيًا وتحول إلى قضية “إرهاب” في محاكم لندن، ما يعكس انحيازًا صارخًا ضد الحق الفلسطيني، وتهافت ادعاءات لندن بشأن دعم “حقوق الإنسان”.

خاتمة: قمع الداخل.. حماية للقتل في الخارج

التطورات الأخيرة تضع بريطانيا أمام مرآة مكشوفة: بينما تدّعي احترام حرية التعبير وحقوق الإنسان، تمضي في ملاحقة نشطاء سلميين يكشفون دورها في دعم حرب إبادة.

اتهام الناشط الخامس بالإرهاب ليس نهاية المطاف، بل هو جزء من حملة أوسع لقمع التضامن مع فلسطين. لكن، كما أثبتت التجارب التاريخية، فإن القمع لا يوقف المقاومة، بل يزيدها شرعية ووضوحًا في أعين الرأي العام.

السؤال الأهم: إلى متى ستظل بريطانيا تجرّم من يقول “لا” للقتل؟

اقرأ أيضًا : قمع قيس سعيد يعمّق أزمة النقل.. إضراب المواصلات في تونس يدخل يومه الثالث ومعاناة التونسيين تتفاقم