تواصل فصول الإبادة الجماعية التي تنفذها قوات الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة، مع تصاعد غير مسبوق في أعداد الشهداء جراء الجوع، بالتزامن مع ارتكاب مجازر جديدة أمام مراكز توزيع المساعدات الإنسانية.
في مشهد يعكس وحشية المحتل وتواطؤًا دوليًا وإقليميًا مخزيًا، أعلن القطاع الصحي المنهك عن وفاة 5 فلسطينيين خلال 24 ساعة فقط بسبب سوء التغذية، لترتفع حصيلة ضحايا سياسة التجويع إلى 180 شهيدًا، بينهم 93 طفلًا.
لكن المجاعة ليست وحدها من تقتل، فالرصاص والقصف ما يزالان يحصدان أرواح المنتظرين بصفوف المساعدات التي حولها الاحتلال إلى مصائد موت جماعية.

مجازر أمام مراكز المساعدات.. المساعدات تتحول لفخاخ موت
يوم الإثنين، شهد قطاع غزة سلسلة من المجازر الجديدة التي استهدفت المدنيين في لحظات انتظارهم لما تبقى من كرامة العيش، أمام مراكز توزيع المساعدات. ففي قلب القطاع، قرب محور “نتساريم”، ارتكب جيش الاحتلال مجزرة جديدة أودت بحياة 6 فلسطينيين، وأصابت أكثر من 50 آخرين، ممن كانوا ينتظرون المساعدات الأمريكية. ولم تكن تلك المجزرة معزولة، بل هي جزء من سلسلة استهدافات متكررة، حيث ارتفع عدد الشهداء في هذه المنطقة وحدها منذ فجر الإثنين إلى 8.
وفي مدينة رفح جنوب القطاع، سقط شهيدان وأُصيب أكثر من 20 آخرين من منتظري المساعدات برصاص الاحتلال قرب مركز توزيع غربي المدينة، بينما استشهد مدنيان آخران في وسط القطاع بذات الطريقة.
وفي مدينة غزة، لم يسلم المدنيون شرق حي الشجاعية من القصف، حيث استشهد 3 فلسطينيين أثناء تجمّعهم للحصول على الغذاء، بينما وثقت وزارة الصحة استشهاد 4 آخرين في قصف مشابه في نفس الحي. أما في بلدة بيت لاهيا شمال القطاع، فاستشهد فلسطينيان آخران أثناء وجودهم في تجمع مدني لم يكن يحمل أي طابع عسكري.
هذه المجازر لم تأتِ نتيجة “أخطاء غير مقصودة” كما يزعم الاحتلال في دعايته، بل هي سياسية منهجية تهدف إلى جعل المساعدات نفسها وسيلة لتركيع السكان، وتحويل لقمة العيش إلى قرار عسكري.
مؤسسة “الإغاثة الإنسانية” الإسرائيلية.. الوجه الجديد للهيمنة
منذ نهاية شهر أيار/مايو، دشّنت دولة الاحتلال ما تسميه بـ”مؤسسة غزة للإغاثة الإنسانية”، وهي كيان مشبوه تدعمه إسرائيل وأمريكا خارج نطاق إشراف الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية المحايدة. الهدف الظاهري هو إيصال الغذاء، لكن الحقيقة أن المؤسسة أُنشئت لتحل محل المؤسسات الدولية، ولترسم مشهدًا خادعًا عن “الكرم الإسرائيلي”، بينما تقوم فعليًا بابتزاز السكان وفرض السيطرة عليهم، وتحويل مراكز توزيع المساعدات إلى نقاط تمركز عسكري تفتح فيها النيران على الجوعى.
ترفض الأمم المتحدة التعامل مع هذه المؤسسة، لكنها عاجزة عن التدخل بسبب الحصار والتضييق الإسرائيلي على المنظمات الإنسانية. أما واشنطن، فتغض الطرف عن المجازر المتكررة، وتكتفي بالحديث عن دعم “جهود الإغاثة”، دون أن تشير صراحة إلى أن شاحناتها باتت تُستخدم كطُعم لقتل المنتظرين.
هذا التحايل الإسرائيلي يعيد للأذهان أساليب الاحتلال الاستيطاني التي تستبدل السلاح بالغذاء كأداة للسيطرة، وتخلق واقعًا إنسانيًا مريضًا تُستخدم فيه المعونات لترويض الضحايا، لا إنقاذهم.
بين صمت العالم وتواطؤ السيسي.. غزة وحدها في الميدان
في الوقت الذي تعلن فيه وزارة الصحة عن أكثر من 210 آلاف شهيد وجريح، ومجاعة تحصد أرواح مئات الأطفال، لا يزال المجتمع الدولي يتلكأ في اتخاذ أي خطوة جادة لوقف المجازر. لكن الأسوأ من صمت العالم، هو التواطؤ العلني من النظام المصري بقيادة عبد الفتاح السيسي، الذي يصرّ على إبقاء معبر رفح مغلقًا أو محكومًا بقيود مشددة، ما يمنع دخول المساعدات بشكل حر ومستقل، ويجعل الاحتلال هو المتحكم الوحيد بالاحتياجات الإنسانية في غزة.
التاريخ لن ينسى أن السيسي، بدلاً من أن يكسر الحصار عن غزة، اختار أن يكون شريكًا في تجويعها، فحول معبر رفح من بوابة إنقاذ إلى حاجز حديدي لا يفتح إلا بإذن واشنطن وتل أبيب. أما الشعوب العربية، التي تخرج في مظاهرات حاشدة كل يوم، فقد باتت تشاهد حكوماتها تتواطأ بصمت، أو تمارس التطبيع والتواطؤ، وتترك غزة تواجه الموت منفردة.
وبينما يحتفل نتنياهو بسيطرته على المساعدات كأداة للابتزاز، ويتوعد سكان غزة بالمزيد، تتكشف أمام العالم كله فصول جريمة إبادة جماعية مكتملة الأركان، تُرتكب بالرصاص، وبالخبز المسموم، وبالصمت الإقليمي والدولي.
غزة تُقتل بالجوع.. وأين الضمير العربي؟
ما يجري في غزة اليوم يتجاوز مجرد حرب تقليدية، ليشكل سابقة في استخدام المجاعة والقصف كوسائل متزامنة للإبادة. ومع كل شهيد يسقط وهو يبحث عن رغيف خبز، تتكشّف وحشية الاحتلال الإسرائيلي، ويترسخ عار الأنظمة المتواطئة معه. لم يعد هناك مجال للحياد، فالمعركة في غزة اليوم هي معركة كرامة الإنسانية. فإما أن نكون مع الجوعى ضد قاتليهم، أو نُكتب في سجل المتواطئين بالصمت.
اقرأ أيضًا : قمع المتضامنين وغضّ الطرف عن الاحتلال.. برلين تحت مجهر الانتقادات