شهدت العاصمة اليمنية صنعاء، الأحد، عدوانًا جديدًا نفذته قوات الاحتلال الإسرائيلي، استهدف محطة “حزيز” للكهرباء جنوب المدينة. القصف أسفر عن انفجارين عنيفين هزّا العاصمة، وأثارا موجة من السخط الشعبي، وسط تساؤلات حول دلالات هذا التصعيد الإسرائيلي ضد اليمن، الذي يتواصل في ظل انشغال العالم بالحرب المستمرة على غزة.
![]()
استهداف متكرر للبنية التحتية
بحسب بيان صادر عن جيش الاحتلال الإسرائيلي، فإن الهجوم جاء بواسطة سفينة حربية، بزعم ضرب “بنى تحتية للطاقة” تستخدمها جماعة الحوثي. إلا أن الرواية الإسرائيلية بدت جزءًا من حملة تبريرية اعتادت تل أبيب على تسويقها أمام الرأي العام الغربي، حيث لم تُقدم أي أدلة تثبت أن محطة الكهرباء تُستخدم لأغراض عسكرية.
من جانبها، أكدت مصادر محلية أن المحطة المستهدفة تُغذي مناطق واسعة من العاصمة، ويعتمد عليها مئات الآلاف من السكان في حياتهم اليومية. ورغم الأضرار التي لحقت بالمحطة، وصف مدير عام مؤسسة الكهرباء في صنعاء مشعل الريفي القصف بأنه “فاشل”، مؤكدًا أن الخدمة الكهربائية ستستمر رغم التحديات.
عدوان يتجاوز حدود غزة
لم يكن هذا القصف الأول من نوعه؛ ففي مايو الماضي شنت إسرائيل عدة غارات على ميناء الحديدة الاستراتيجي، بذريعة منع الحوثيين من إعادة تأهيل المرافق التي دمرتها الهجمات السابقة. ويأتي العدوان الأخير على صنعاء ليؤكد أن الاحتلال الإسرائيلي وسّع بنك أهدافه ليشمل الأراضي اليمنية، في محاولة لفرض معادلة ردع جديدة بعد سلسلة هجمات شنتها جماعة الحوثي ضد السفن الإسرائيلية والغربية في البحر الأحمر.
التحركات الإسرائيلية هذه تعكس قلقًا متصاعدًا من انتقال الصراع إلى ساحات جديدة، وهو ما يهدد بجرّ المنطقة إلى حرب إقليمية أوسع. فالقصف على محطة كهرباء مدنية في صنعاء لا يختلف كثيرًا عن النهج الإسرائيلي في غزة، حيث يجري استهداف المستشفيات والمدارس وشبكات المياه والكهرباء، تحت ذريعة الحرب على “الإرهاب”.
اتفاق أمريكي هش وتحدي الحوثيين
اللافت أن هذا التصعيد الإسرائيلي جاء بعد ثلاثة أشهر فقط من إعلان واشنطن عن اتفاق مع الحوثيين، قضى بوقف القصف الأمريكي مقابل وقف هجمات الجماعة على السفن في البحر الأحمر. غير أن الحوثيين أكدوا حينها أن الاتفاق لم يشمل “وقف الهجمات على إسرائيل”، بل اقتصر على الملاحة الدولية.
هذا الموقف يعكس إصرار الحوثيين على ربط معركتهم مباشرة بالقضية الفلسطينية، وهو ما يفسر اتساع دائرة الاستهداف الإسرائيلي لليمن. فتل أبيب تدرك أن استمرار هجمات الحوثيين على مصالحها في البحر الأحمر يمثل ورقة ضغط خطيرة قد تؤدي إلى عزل إسرائيل تجاريًا وإضعاف اقتصادها المنهك أصلًا بفعل الحرب.
دلالات سياسية وعسكرية
يمكن قراءة العدوان الإسرائيلي على صنعاء من عدة زوايا:
- رسالة ردع: تسعى إسرائيل لإظهار قدرتها على ضرب أهداف عميقة في اليمن، بهدف ردع الحوثيين عن مواصلة هجماتهم البحرية.
- إحراج واشنطن: الخطوة تضع الإدارة الأمريكية في موقف حرج، إذ تكشف حدود الاتفاق الأخير مع الحوثيين، وتؤكد أن إسرائيل ماضية في استراتيجيتها الخاصة حتى لو تعارضت مع ترتيبات البيت الأبيض.
- تكريس سياسة العقاب الجماعي: استهداف محطة كهرباء مدنية يندرج في إطار العقوبات الجماعية التي دأبت إسرائيل على فرضها ضد الشعوب، سواء في غزة أو لبنان أو اليمن، وهو ما يفتح الباب أمام إدانات حقوقية جديدة.
اليمن بين حربين
بالنسبة لليمنيين، فإن هذا العدوان يضيف عبئًا جديدًا إلى بلد أنهكته حرب داخلية استمرت لسنوات، وأدت إلى واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم. فمعاناة السكان من شح الكهرباء والمياه والأمن الغذائي ليست وليدة اليوم، لكن استهداف محطة كهرباء رئيسية في العاصمة يزيد من هشاشة الوضع المعيشي، ويدفع مزيدًا من المدنيين إلى حافة الانهيار.
وفي ظل غياب أي أفق سياسي لحل الأزمة اليمنية، يأتي التدخل الإسرائيلي ليعقّد المشهد أكثر، ويُحول اليمن إلى ساحة مواجهة إضافية في حرب إقليمية تتسع رقعتها يومًا بعد آخر.
استنساخ لنموذج غزة
العدوان الإسرائيلي على صنعاء لا يمكن فصله عن النهج المتّبع في غزة منذ أكثر من 20 شهرًا. ففي الحالتين، يجري استهداف البنية التحتية المدنية بشكل مباشر، وحرمان السكان من أبسط مقومات الحياة. وكأن إسرائيل تسعى لتصدير نموذج “الهندسة الممنهجة للتجويع والظلام”، الذي طبقته في القطاع، إلى اليمن.
هذا النموذج يعكس عقلية الاحتلال في التعامل مع الشعوب: الضغط عبر الأدوات المعيشية حتى تنكسر إرادة المقاومة. غير أن التجارب السابقة، سواء في غزة أو لبنان أو حتى العراق، أظهرت أن مثل هذه الاستراتيجيات غالبًا ما تنقلب على أصحابها وتؤدي إلى مزيد من التصعيد.
خاتمة: تصعيد ينذر بالأسوأ
الهجوم الإسرائيلي على محطة “حزيز” للكهرباء في صنعاء يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التصعيد في المنطقة. فتل أبيب لم تكتف بعدوانها على غزة واعتداءاتها المتواصلة في الضفة ولبنان، بل وسعت عملياتها لتشمل اليمن، في تحدٍ صارخ للقوانين الدولية، واستمرار لنهجها في استهداف المدنيين.
السؤال المطروح اليوم: هل ينجح هذا التصعيد في ردع الحوثيين، أم أنه سيدفعهم إلى تكثيف هجماتهم ضد المصالح الإسرائيلية في البحر الأحمر وما وراءه؟ وفي كل الأحوال، فإن اليمنيين باتوا يواجهون عدوانًا مزدوجًا: حرب داخلية مدمرة وعدوان خارجي يفاقم معاناتهم. وهو ما يجعل مستقبل البلاد مرهونًا بموازين القوى الإقليمية، أكثر من أي وقت مضى.
اقرأ أيضًا : قنص واشتباكات وتدمير آليات.. القسام تبث مشاهد مثيرة لمعارك شرق غزة