في تطور ميداني جديد يعكس قدرة المقاومة الفلسطينية على المناورة والاشتباك، بثّت كتائب الشهيد عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، الأحد، مشاهد مصوّرة توثّق عملياتها ضد آليات وجنود جيش الاحتلال الإسرائيلي في محاور التوغل جنوب قطاع غزة، ولا سيما في خانيونس ومحور صلاح الدين.

هذه المشاهد تأتي ضمن سلسلة عمليات تحمل اسم “حجارة داود”، والتي تهدف إلى إنهاك قوات الاحتلال المتوغلة، وكسر محاولاتها لإحكام السيطرة على القطاع، في وقت يتعرض فيه الفلسطينيون لإبادة جماعية ممنهجة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.

 

مشاهد توثّق استهداف مباشر للآليات والجنود

أظهرت المقاطع المصوّرة استهداف مقاتلي القسام دبابات وجرافات إسرائيلية وسط خانيونس، إلى جانب قصف ناقلات جند مدرعة بقذائف موجّهة. كما برز في المشاهد استخدام قذائف هاون بشكل مكثف لضرب حشود عسكرية إسرائيلية في محيط محاور التوغل، بالتنسيق مع سرايا القدس الذراع العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، وألوية الناصر صلاح الدين.

اللافت في هذه العمليات هو الطابع المشترك بين فصائل المقاومة، الذي يعكس وحدة ميدانية واضحة في مواجهة الاحتلال. فخلال الساعات الماضية أعلنت القسام أنها استهدفت، بالتعاون مع سرايا القدس، موقع “قيادة وسيطرة” إسرائيلي قرب مجمع المحاكم جنوب خانيونس، بعدد من قذائف الهاون، وهو ما يؤكد تطور العمل الميداني من استهداف آليات إلى ضرب مراكز القيادة الميدانية.

الرقابة الإسرائيلية على الخسائر

ورغم أن الاحتلال يتكتم بشدة على حجم خسائره البشرية والمادية، تماشياً مع سياسة عسكرية صارمة تهدف للحفاظ على الروح المعنوية داخل المجتمع الإسرائيلي، إلا أن تواتر هذه العمليات يوحي بأن المقاومة ما زالت قادرة على إلحاق خسائر مؤلمة بالجيش الإسرائيلي.

التقارير الدولية تشير إلى أن الجيش يفرض رقابة عسكرية على وسائل الإعلام العبرية، بحيث تمنع نشر تفاصيل دقيقة عن أعداد القتلى أو المصابين، وهو ما يدفع مراقبين إلى اعتبار ما تبثه القسام من مشاهد بمثابة المصدر الأكثر صدقية حول ما يحدث في الميدان.

https://twitter.com/i/status/1957103989712933296

العمليات كجزء من رد شامل

لا يمكن فصل هذه التطورات عن السياق الأوسع للعدوان الإسرائيلي المستمر على غزة منذ أكتوبر 2023، والذي خلّف حتى الآن أكثر من 61 ألف شهيد و155 ألف مصاب، معظمهم من الأطفال والنساء، إلى جانب آلاف المفقودين ومئات آلاف النازحين. كما وثّقت منظمات حقوقية وفاة 251 فلسطينياً جراء المجاعة، بينهم 108 أطفال.

من هنا، فإن عمليات القسام والفصائل الأخرى تأتي كجزء من رد ميداني شامل على حرب الإبادة، ومحاولة لتأكيد أن الشعب الفلسطيني لن يُكسر رغم شراسة الهجمة الإسرائيلية والدعم الأمريكي المفتوح لها.

براعة المقاومة وتطور الأساليب

المشاهد الأخيرة أبرزت عدة نقاط لافتة في تكتيكات القسام:

  1. التنويع في الوسائل القتالية: من قذائف الهاون إلى الصواريخ المضادة للدروع، ومن الاستهداف المباشر للآليات إلى ضرب مواقع القيادة.

  2. العمل المشترك بين الفصائل: وهو ما يزيد من صعوبة المواجهة بالنسبة للاحتلال، ويؤشر إلى تنسيق ميداني عالي المستوى.

  3. الحرب النفسية والإعلامية: نشر هذه المشاهد لا يهدف فقط لتوثيق العملية، بل لبث رسائل إلى الداخل الإسرائيلي بأن جيشه ليس بمنأى عن الخسائر، وإلى الشارع الفلسطيني والعربي بأن المقاومة ما زالت صامدة وقادرة على إيلام العدو.

  4. المرونة الميدانية: عمليات القسام في خانيونس ومحور صلاح الدين تعكس قدرة على المناورة في أكثر المناطق استهدافاً من قبل الاحتلال، رغم القصف المكثف والتدمير الممنهج.

الأبعاد السياسية والعسكرية

سياسياً، تمثل هذه العمليات ضربة لصورة إسرائيل التي تحاول إظهار نفسها كقوة لا تُقهر. فاستمرار بث مشاهد استهداف آلياتها وجنودها بعد عشرة أشهر من الحرب، يعني أن رواية “القضاء على حماس” لم تعد قابلة للتصديق، بل على العكس تكشف عجز الاحتلال عن تحقيق أهدافه المعلنة.

أما عسكرياً، فإن هذه الاستهدافات تُبقي قوات الاحتلال في حالة استنزاف دائم، وتجبرها على مضاعفة الجهد البشري واللوجستي، وهو ما يرفع من احتمالات وقوع أخطاء وخسائر جديدة. كما تعزز هذه العمليات مكانة المقاومة في نظر الشارع الفلسطيني، بوصفها الدرع الوحيد الذي يرد على الجرائم اليومية.

خاتمة

في ظل حرب إبادة مفتوحة تستهدف البشر والحجر في غزة، تواصل كتائب القسام والفصائل الفلسطينية الأخرى إبداع أساليبها في المقاومة، مثبتة أن الشعب الفلسطيني ما زال يمتلك القدرة على المواجهة والصمود.

العمليات الأخيرة جنوب القطاع ليست مجرد ضربات تكتيكية، بل رسائل استراتيجية تقول للاحتلال والعالم: إن غزة، رغم الجوع والدمار، ما زالت قادرة على القتال، وأن آلة الحرب الإسرائيلية، مهما بلغت قوتها، عاجزة عن كسر إرادة المقاومة.

اقرأ أيضًا : عدوان إسرائيلي جديد على محطة كهرباء في صنعاء: استهداف ممنهج للبنية التحتية اليمنية