شهدت العاصمة اليمنية صنعاء، سلسلة غارات إسرائيلية غير مسبوقة استهدفت منشآت مدنية وحيوية، من بينها محطة النفط في شارع الستين ومحطة حزيز الكهربائية جنوب المدينة، ما أسفر عن سقوط عشرات الضحايا بين قتيل وجريح.
أعلنت جماعة أنصار الله (الحوثيون) أن هذه الهجمات تمثل “عدوانًا صهيونيًا أمريكيًا” مشتركًا على اليمن، في وقت تتصاعد فيه حدة المواجهة الإقليمية بين تل أبيب والجماعة المدعومة من إيران.
مشاهد الدمار: محطة نفطية وأحياء سكنية تحت النار
أفادت وكالة “سبأ” بنسختها التابعة للحوثيين أن حصيلة القصف الإسرائيلي بلغت أربعة قتلى و67 جريحًا، في حصيلة أولية، بينما أكدت وزارة الصحة التابعة للجماعة أن العدد الإجمالي للضحايا ارتفع إلى 71 ما بين قتيل وجريح. وأشارت إلى أن فرق الدفاع المدني ما تزال تبحث عن مفقودين تحت الأنقاض في محيط المواقع المستهدفة.
وقال سكان محليون إن انفجارات هائلة هزت العاصمة مع تصاعد أعمدة الدخان واللهب في سماء المدينة، موضحين أن الضربات تسببت في تدمير منازل ومحال تجارية قرب محيط المجمع الرئاسي في حي السبعين وسط صنعاء. وأضافوا أن حالة من الهلع عمّت بين السكان، خاصة أن القصف طال منشآت مدنية تمس حياة ملايين اليمنيين، في مقدمتها محطات الكهرباء والوقود.
وفي رد فعل سريع، أعلنت شركة النفط اليمنية أنها اتخذت “الإجراءات اللازمة لأي طارئ”، مؤكدة أن الوضع التمويني لا يزال مستقرًا، في محاولة لطمأنة الشارع اليمني وسط مخاوف من أزمة وقود جديدة قد تضرب مناطق سيطرة الحوثيين.
رواية الاحتلال: هجوم رادع دون “أجندة اغتيالات”
في المقابل، أكد جيش الاحتلال الإسرائيلي عبر إذاعته الرسمية أن “سلاح الجو يهاجم صنعاء”، مضيفًا أن العملية انتهت وأن “الاغتيالات لم تكن على الأجندة”. ورغم ذلك، كشفت القناة 12 العبرية أن الغارات جاءت ردًا على “استمرار إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة من اليمن تجاه الأراضي الإسرائيلية”.
أما القناة 13 فأشارت إلى أن سلاح الجو استهدف “قاعدة صواريخ قرب القصر الرئاسي في صنعاء”، بينما تحدثت القناة 14 عن أن “القصر الرئاسي كان هدفًا مركزيًا للهجوم”، مؤكدة أن القصف شمل أيضًا مخازن وقود ومحطتي كهرباء. وذكرت القناة أن 14 مقاتلة إسرائيلية شاركت في العملية وأطلقت نحو 40 صاروخًا على أهداف في صنعاء وضواحيها.
وتسعى تل أبيب من خلال هذه الرسائل إلى إظهار أن الضربات جاءت مركزة على أهداف عسكرية وبنية تحتية مرتبطة بالحوثيين، لكنها عمليًا أصابت منشآت مدنية حيوية وألحقت أضرارًا جسيمة بالأحياء السكنية، ما يعزز اتهامات الحوثيين بأن إسرائيل تستهدف المدنيين ضمن سياسة العقاب الجماعي.
صاروخ حوثي جديد: نقطة تحول في الصراع
تزامنت الغارات مع كشف إسرائيل عن أن جماعة الحوثي أطلقت، قبل يومين فقط، صاروخًا جديدًا يحمل رأسًا حربيًا قابلًا للانشطار باتجاه العمق الإسرائيلي، وهو تطور نوعي في ترسانة الحوثيين. وأفاد تحقيق أولي لسلاح الجو الإسرائيلي، نُشر عبر إذاعة الجيش، أن الصاروخ أصاب منزلًا في مستوطنة “غينتون” وسط إسرائيل، وسط تساؤلات عن سبب فشل منظومة الدفاع الجوي في اعتراضه.
ورغم إصرار الجيش على أن “منظومات الدفاع قادرة على اعتراض هذا النوع من الصواريخ”، فإن الاعتراف بعدم إسقاطه يثير مخاوف داخلية إسرائيلية من قدرة الحوثيين على تجاوز القبة الحديدية وتوسيع نطاق تهديدهم ليشمل عمق الأراضي المحتلة.
البعد الإقليمي: اليمن ساحة جديدة في الحرب المفتوحة
تمثل هذه الغارات الإسرائيلية على صنعاء تصعيدًا لافتًا في مسار الحرب الإقليمية الممتدة منذ سنوات، لكنها تكشف أيضًا أن اليمن أصبح رسميًا جزءًا من معادلة الصراع المباشر بين إسرائيل وحلفاء إيران. فبعدما كان الحوثيون ينفذون ضربات متقطعة بطائرات مسيرة أو صواريخ بالستية باتجاه البحر الأحمر أو جنوب فلسطين المحتلة، باتوا اليوم يوسّعون من قدراتهم العسكرية ويعلنون عن أسلحة نوعية جديدة.
ويطرح هذا التطور تساؤلات حول نية تل أبيب في فتح جبهة دائمة مع الحوثيين، خصوصًا أن ضرب البنية التحتية في صنعاء يشير إلى رغبة إسرائيل في شل القدرات اللوجستية للجماعة ومنعها من تطوير أسلحتها أو تخزينها. إلا أن استهداف منشآت مدنية مثل محطات النفط والكهرباء يضع إسرائيل تحت طائلة الاتهامات بارتكاب جرائم حرب، وهو ما يسعى الحوثيون لاستثماره سياسيًا ودعائيًا.
رسائل مزدوجة: الداخل الإسرائيلي والخارج الإقليمي
يحمل القصف الإسرائيلي رسائل متعددة: فهو موجّه للداخل الإسرائيلي لإظهار أن حكومة نتنياهو قادرة على الردع بعد فشل اعتراض الصاروخ الحوثي الأخير، كما يحمل رسالة إلى طهران وحلفائها بأن “الخطوط الحمراء” الإسرائيلية تشمل اليمن. في المقابل، يسعى الحوثيون إلى تقديم أنفسهم كجزء من محور المقاومة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، مستغلين الضربات لإعادة تعبئة الشارع اليمني ضد ما يصفونه بـ”العدوان الصهيوني الأمريكي المشترك”.
ومع ذلك، فإن تأكيد تل أبيب على أن “الاغتيالات ليست على الأجندة” يعكس حذرًا من التورط في حرب استنزاف طويلة داخل الساحة اليمنية، خصوصًا مع تعقيدات الوضع الإنساني والسياسي هناك.
خلاصة: حرب مفتوحة أم رسائل ردع؟
الهجوم الإسرائيلي على صنعاء قد يكون بداية مرحلة جديدة من التصعيد المتبادل بين الاحتلال والحوثيين، خاصة إذا واصل الأخيرون إطلاق صواريخ متطورة باتجاه العمق الإسرائيلي. ورغم محاولة تل أبيب حصر الضربات في إطار “الردع”، فإن استهداف منشآت مدنية يفتح الباب أمام إدانات دولية ويمنح الحوثيين مساحة أكبر للظهور كقوة إقليمية تواجه إسرائيل بشكل مباشر.
في النهاية، يبقى السؤال مطروحًا: هل تتحول الغارات الإسرائيلية على اليمن إلى نمط دائم من المواجهة، أم تظل في حدود “رسائل نارية” مرتبطة بالتصعيد على جبهات أخرى مثل غزة ولبنان؟ الإجابة ستعتمد على مدى قدرة الطرفين على ضبط إيقاع التصعيد أو الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة قد تمتد من غزة إلى صنعاء، مرورًا ببيروت وطهران.
اقرأ أيضًا : نائبة أمريكية تكسر جدار الصمت: “لن أدفع ثمن إبادة جماعية في غزة”