تشهد محافظة حضرموت شرق اليمن تصاعدًا خطيرًا في التوترات الأمنية والسياسية، مع تحذيرات من محاولات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا السيطرة على ساحل المحافظة المطل على بحر العرب.
هذه التحركات أثارت مخاوف القوى القبلية المحلية، وعلى رأسها حلف قبائل حضرموت، من أن تكون مقدمة لتفجير صراع مسلح جديد يهدد الاستقرار في واحدة من أكثر المحافظات اليمنية ثراءً بالنفط والموارد الطبيعية.
تصريحات القيادات القبلية تكشف أن الأمر لا يتوقف عند مجرد انتشار قوات، بل يتعلق بمخطط أشمل تسعى أبوظبي من خلاله إلى إحكام قبضتها على الموانئ والمطارات والمناطق الاستراتيجية.
قوة “الدعم الأمني”.. أداة إماراتية جديدة
أبرز مظاهر التصعيد جاء مع الإعلان عن تشكيل جديد تحت مسمى “قوات الدعم الأمني”، وهي قوة غير نظامية تتبع للمجلس الانتقالي الجنوبي، وتتألف من نحو 20 ألف عنصر معظمهم من محافظتي الضالع ولحج، أي من خارج حضرموت.
هذه القوات انتشرت مؤخرًا في مواقع شديدة الحساسية، من بينها ميناء الضبة النفطي بمدينة الشحر، ومطار الريان بمدينة المكلا، ومعسكرات في ربوة خلف وهضبة حضرموت. الهدف المعلن لهذه القوة هو تعزيز الأمن، لكن بحسب القيادات الحضرمية، فإنها جاءت كبديل لقوات “النخبة الحضرمية” التي جرى تفكيكها رغم أنها شُكلت بقرار رئاسي عام 2016، وتضم أبناء المحافظة نفسها.
هذا الاستبدال يعكس فقدان المجلس الانتقالي وداعميه الثقة في القوات المحلية، وسعيهم لفرض قوات موالية بالكامل لسياسات أبوظبي. وهو ما اعتبره القيادي في حلف قبائل حضرموت، صبرين بن مخاشن، تهديدًا مباشرًا لأمن المحافظة وهويتها، محذرًا من أن أي محاولة لاستخدام مؤسسات الدولة لاستهداف القيادات القبلية لن تمر دون مواجهة.
موقف القبائل واستعداد المواجهة
حلف قبائل حضرموت، الذي يتزعمه الشيخ عمر بن حبريش العليي، أعلن أنه في حالة استنفار قصوى، مؤكدًا أن لديه قوات منتشرة في مختلف مناطق المحافظة، وأنه بدأ بالفعل في تشكيل قوة عسكرية تحت اسم “قوات حماية حضرموت”، على أمل الحصول على اعتراف رسمي بها كما حدث مع قوات النخبة سابقًا. هذه الخطوة تعكس إدراك القبائل أن الصراع يتجاوز حدود المناوشات السياسية ليصل إلى محاولة تغيير التوازنات العسكرية على الأرض.
بن مخاشن حمّل المجلس الرئاسي اليمني مسؤولية التصعيد الحالي، لكونه تجاهل مطالب أبناء حضرموت التي تبناها الحلف القبلي. هذا التراخي الرسمي أتاح للمجلس الانتقالي والإمارات التمدد أكثر، مستغلين الانقسام السياسي وضعف مؤسسات الدولة.
ثلاثة سيناريوهات محتملة
الباحث اليمني عبد الله الهندي وضع ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الأزمة:
-
التصعيد المسلح: اندلاع مواجهات مباشرة بين قوات “الدعم الأمني” وقوات “حماية حضرموت”. هذا الاحتمال يظل قائمًا إذا واصلت الإمارات إرسال قوات جديدة وتصعيد خطابها العسكري.
-
التوازن الحذر: تدخل وساطات قبلية أو إقليمية، خصوصًا السعودية، للحيلولة دون انفجار صراع شامل، مع الإبقاء على حالة التوتر والتهديدات المتبادلة.
-
الهيمنة التدريجية: نجاح الإمارات في فرض قواتها على الأرض عبر “الدعم الأمني” وغيرها من الترتيبات، لكن مع بقاء هذا الوجود هشًا ومرفوضًا شعبيًا وقبليًا، ما يجعله قابلًا للانفجار في أي وقت.
الهندي لم يستبعد أيضًا إمكانية “احتواء الأزمة” إذا تحركت السعودية بسرعة أو قدمت الحكومة المركزية إصلاحات تلبي المطالب الحضرمية، غير أن هذا السيناريو يظل ضعيفًا بالنظر إلى سوابق تجاهل هذه المطالب.
صراع نفوذ إقليمي
حضرموت ليست مجرد محافظة يمنية، بل هي قلب الصراع الإقليمي بين السعودية والإمارات. الأولى ترى فيها عمقًا استراتيجيًا وحديقة خلفية لأمنها القومي، بينما تسعى الثانية لفرض سيطرة كاملة على الموانئ والمطارات وحقول النفط. أبوظبي باتت بالفعل تتحكم بمرافق حيوية، منها ميناء الضبة ومطار الريان، وهو ما يثير غضبًا واسعًا في الشارع الحضرمي.
خطورة هذا الصراع تكمن في أن الإمارات تعتمد على المجلس الانتقالي كأداة لتنفيذ أجندتها، ما يعني أن حضرموت قد تتحول إلى ساحة مواجهة بين القوى القبلية المحلية المدعومة ضمنيًا من السعودية، والفصائل المسلحة التي ترعاها أبوظبي.
احتجاجات شعبية وقمع دموي
تزامنًا مع هذه التطورات العسكرية، شهدت حضرموت احتجاجات شعبية واسعة أواخر يوليو ومطلع أغسطس ضد تدهور الخدمات والأوضاع المعيشية. السلطات الأمنية والعسكرية تعاملت معها بقبضة حديدية، ما أدى إلى سقوط قتيل وعدد من الجرحى. هذه الأحداث تعكس أن الوضع الداخلي مهيأ للانفجار، وأن أي محاولة خارجية لفرض سيطرة عسكرية ستواجه بمقاومة مزدوجة: شعبية وقبلية.
الخلاصة: مستقبل هش ومفتوح على الاحتمالات
الوضع في حضرموت اليوم هو انعكاس لصراع إقليمي تقوده الإمارات عبر المجلس الانتقالي، في مواجهة القوى القبلية والسعودية. السيناريوهات مفتوحة بين الحرب والتهدئة، لكن المؤكد أن أي محاولة لإقصاء أبناء حضرموت من إدارة محافظتهم أو فرض قوات خارجية عليهم ستؤدي إلى انفجار جديد.
أبوظبي تسعى لإحكام قبضتها على الموانئ والنفط، لكن الثمن قد يكون إشعال حرب جديدة تزيد من معاناة اليمنيين وتفتح جبهة صراع إضافية في بلد يرزح تحت حرب مدمرة منذ عقد كامل.
اقرأ أيضًا : غارات إسرائيلية على صنعاء: استهداف البنية التحتية وتوسيع رقعة الحرب