“تحضّروا… توقفوا عن السلوك الحيواني.”
هكذا خاطب توم باراك، المبعوث الأميركي في أحد المؤتمرات الصحفية، الصحفيين الحاضرين. مهينًا، متعجرفًا، ومعبّرًا بكلمات قليلة عن فلسفة أكبر: نحن نُقرر… وأنتم تدفعون.
ولم تمضِ دقائق حتى أطلق تصريحًا أخطر من الإهانة:
“السعودية مستعدة لتمويل مشروع منطقة اقتصادية على حدود الكيان الإسرائيلي، بهدف تشغيل 40 ألفًا من بقايا حزب الله.”
المنطق مقلوب، لكن التصريح واضح. بلدٌ أعلن على مدى سنوات أن “حزب الله تهديد أمني”، يستعد الآن لتمويل مشروع يُعيد دمج عناصر من هذا الحزب في حياة اقتصادية جديدة، تحت إشراف تل أبيب، وبرعاية أميركية.
هذه ليست مبادرة تنموية. هذا مشروع تفكيك إقليمي يُدار بالمال السعودي ويخدم أمن الاحتلال.
تحالف بلا أوراق: السعودية تنفّذ دون أن توقّع
لا اتفاقيات مطبّعة على الورق، لكن على الأرض كل شيء يُدار بروح التطبيع الكامل:
- تمويل مشاريع استراتيجية تخدم أمن إسرائيل الحدودي.
- المشاركة في إعادة توظيف الفصائل المنهكة لا لحل أزمتها، بل لإخضاعها اقتصاديًا.
- تقديم المال من دون مقابل سياسي أو مصلحة وطنية واضحة.
في هذا السيناريو، السعودية لا توقع اتفاقًا رسميًا، بل تلعب دور الممول الهادئ الذي ينجز ما لا تجرؤ عليه دول أخرى. إنها وظيفة إقليمية تُمارس بصمت، لكنها أكثر خطورة من تطبيع معلن.
“منطقة اقتصادية”: مصطلح أنيق لهيمنة قذرة
تسمية المشروع بـ”المنطقة الاقتصادية” مجرد تغليف فني لأجندة سياسية وأمنية عميقة:
- الهدف ليس التنمية، بل ضمان الأمن الإسرائيلي عبر خلق وظائف تُخدر بها المقاومة المحتملة.
- البنية الاقتصادية الجديدة لا تستند إلى سيادة، بل إلى دمج مشروط في اقتصاد خاضع للرقابة الصهيونية.
- التمويل لا يُدار من منطلق “الشراكة”، بل كأداة لتقليص التوتر على حدود الكيان، وإنهاء أي طموح للمواجهة.
كل ريال سعودي يُدفع في هذا المشروع هو استثمار مباشر في الاستقرار الأمني لإسرائيل، لا في إعادة إعمار أي بنية وطنية مهدّمة.
من الخصومة إلى الكفالة: السعودية تغيّر وظيفتها
التحول من وصف “حزب الله” بالإرهاب إلى تمويل مشروع يُعيد دمج عناصره في مشاريع اقتصادية ليس تحولًا بريئًا. إنه تبدّل جذري في تموضع السعودية الإقليمي:
* لم تعد تقود محورًا لمواجهة النفوذ الإيراني أو الميليشيات المسلحة.
* لم تعد تطرح نفسها كراعٍ لمشروع عربي مستقل.
* تحوّلت إلى فاعل وظيفي يُطلب منه الدفع عندما تستقر الخطة الأميركية – الإسرائيلية.
حتى خصوم الأمس باتوا يُعاد تدويرهم بمباركة سعودية. لا لأن الرياض غيّرت موقفها، بل لأنها لم تعد تمتلك قرارها السياسي المستقل.
المال مقابل اللاشيء: صفقة بلا مكاسب
ما الذي ستحققه السعودية من هذا التمويل؟
* لا أمن حدودي يعنيها.
* لا فائدة اقتصادية تعود عليها.
* لا نفوذ سياسي إضافي يُنتج عن هذه المشاركة.
بل العكس:
* ترسّخ صورتها كخزان مالي جاهز لخدمة أجندات الآخرين.
* تساهم في إعادة تشكيل المنطقة وفق منطق “السلام مقابل الرواتب”، لا “الحق مقابل السيادة”.
* تتحمل عبء تمويل مشاريع لا تخدم أمنها ولا مجتمعها.
ما بعد المقاومة: هندسة الاستسلام الناعم
تشغيل “بقايا حزب الله” ليس إجراءً اقتصادياً؛ بل هندسة سياسية:
* تحويل المقاومة إلى وظيفة مؤقتة براتب شهري.
* ربط الناس بلقمة العيش بدل الأرض والمبدأ.
* سحب الطابع التحرري عن أي تشكيل مسلح وإعادة تدويره كـ”عامل بناء”.
وبدل تفكيك الميليشيات، يتم دمجها اقتصاديًا ضمن نظام يخدم الاحتلال، وتُدفع الكلفة من خزائن الخليج. هذا أكثر من تطبيع؛ هذا إنتاج لنموذج استسلام جماعي ممول عربيًا.
من يطرح الأسئلة؟
* أين البرلمان السعودي من مناقشة هذا التمويل؟
* ما تفسير مجلس الوزراء لهذا النوع من “الشراكات”؟
* ما حدود التنازل إذا كان تمويل مشاريع أمنية صهيونية بات سياسة دولة؟
السكوت هنا ليس حكمة، بل تواطؤ. والصمت الشعبي لا يعني الرضا، بل القهر والخذلان.
توم باراك لم يهِن الصحفيين فقط بل قال الحقيقة التي يخافها الجميع
حين استخدم توم باراك وصف “السلوك الحيواني”، كان يرسم خطًا واضحًا: أنتم أدوات، نحن من يقرر.
وبتصريحه عن التمويل السعودي، أثبت أن المال الخليجي تحوّل من دعم قضايا الأمة إلى تمويل المشاريع الأمنية للاحتلال.
السعودية، بهذا الدور، لا تخسر صورتها فقط، بل تخسرشرعيتها الإقليمية، وتصبح خازنًا رسميًا لمشروع لا يشبهها، ولا يشبه شعبها، ولا يشبه تاريخها السياسي.
حين تُستخدم أموال النفط لترميم حدود إسرائيل، وتنمية بقايا الميليشيات، فإن المنطقة لا تتجه للسلام بل لإدارة الاستسلام.