في خطوة جديدة تكشف حجم الغطرسة الإسرائيلية، أعلنت سلطات الاحتلال عن الاستيلاء على مئات الدونمات من أراضي المواطنين الفلسطينيين في نابلس وقلقيلية شمالي الضفة الغربية المحتلة، تحت غطاء ما يُسمى بـ”أراضي الدولة”.
القرار يأتي في وقت يواصل فيه رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ووزراؤه المناقشات والإجراءات التمهيدية لضم الضفة الغربية بصورة كاملة، في حين تقف السلطة الفلسطينية، بقيادة محمود عباس، عاجزة بل ومتناغمة مع هذا المسار عبر استمرار التنسيق الأمني مع الاحتلال، ما يعده كثيرون خيانة صريحة للقضية الفلسطينية.

مصادرة ممنهجة تحت ذرائع قانونية واهية
هيئة مقاومة الجدار والاستيطان كشفت أن سلطات الاحتلال أعلنت عن مصادرة 455.6 دونم من أراضي قرى جيت وفرعتا شرقي محافظة قلقيلية، وأراضي بلدة تل غرب نابلس.
الاحتلال لم يكتفِ بالسيطرة على الأرض، بل استخدم حيلة قديمة جديدة بإطلاق تسمية “أراضي الدولة”، وهو المسمى القانوني الاستعماري الذي تُخفي خلفه إسرائيل عملية نهب منظمة للأرض الفلسطينية. هذه الأراضي المستولى عليها تشمل المساحة التي تحتضن بؤرة “حفات جلعاد” الاستيطانية، التي أُنشئت عام 2003 بشكل غير قانوني، قبل أن يعمل الاحتلال على شرعنتها وتوسيعها.
هذه الخطوة ليست معزولة عن سياق أوسع؛ فمنذ اندلاع حرب الإبادة على غزة، كثفت إسرائيل من جرائمها بحق الفلسطينيين، عبر هدم المنازل، تهجير السكان قسريًا، وتوسيع المستوطنات بوتيرة متسارعة. إنها سياسة ممنهجة تقوم على استغلال انشغال العالم بالمجازر في غزة لتثبيت وقائع استيطانية جديدة في الضفة.
أهداف استراتيجية: الضم الزاحف للضفة
يأتي هذا القرار الاستيطاني في قلب مشروع أوسع يقوده نتنياهو، وهو الضم الزاحف للضفة الغربية. ففي الأشهر الأخيرة، لم تعد إسرائيل تكتفي بمصادرة مساحات محدودة لإقامة بؤر صغيرة، بل تسعى للسيطرة على مساحات واسعة ومتصلة جغرافيًا، بما يُعزز من مشروع “إسرائيل الكبرى”. الضم الفعلي يجري على الأرض عبر شق طرق التفافية جديدة، توسيع المستوطنات القائمة، وفرض قيود مشددة على البناء الفلسطيني.
كما أن الاستيلاء على هذه المساحات يخدم هدفين رئيسيين: الأول ربط المستوطنات شمال الضفة ببعضها لتشكيل كتلة سكانية يهودية متصلة، والثاني محاصرة القرى الفلسطينية وعزلها عن محيطها الزراعي والاقتصادي، ما يدفع سكانها تدريجيًا إلى الهجرة أو النزوح، وهو جوهر سياسة “التطهير العرقي البطيء”.
خيانة السلطة: صمت وتواطؤ
في المقابل، تقف السلطة الفلسطينية بقيادة محمود عباس عاجزة عن مواجهة هذه السياسات، بل يُنظر إليها باعتبارها متواطئة عبر استمرارها في التنسيق الأمني مع الاحتلال. في الوقت الذي تصادر فيه الأرض ويُهجّر أهلها، تنشغل السلطة في ملاحقة الأصوات المعارضة لها في الضفة، وتعمل كذراع أمنية تخدم بقاء الاحتلال مستقرًا.
الصمت المريب للسلطة أمام الاستيلاء على مئات الدونمات ليس إلا امتدادًا لنهجها الذي فقد شرعيته شعبيًا، حيث لم تعد قادرة حتى على إطلاق موقف سياسي جاد يوازي حجم الجريمة. هذا الموقف يطرح تساؤلات عميقة حول دور عباس وفريقه: هل هم سلطة تحرر وطني أم مجرد إدارة حكم ذاتي وظيفي تعمل ضمن شروط الاحتلال؟
انعكاسات على الميدان وصعود المقاومة
هذه المصادرة الجديدة ستفاقم بلا شك من مشاعر الغضب الشعبي، وستعزز قناعة الفلسطينيين بأن خيار المقاومة هو الطريق الوحيد لمواجهة الاحتلال. ففي نابلس وقلقيلية، حيث تنشط مجموعات المقاومة المسلحة، تبدو هذه السياسات محفزًا إضافيًا لاستمرار المواجهة. فالفلسطيني الذي يُسلب بيته وأرضه لن يجد أمامه سوى حمل السلاح لمواجهة محتل يفرض وقائعه بالقوة.
الاحتلال يدرك ذلك جيدًا، ولهذا يكثف من عملياته العسكرية في شمال الضفة، محاولًا ضرب بنية المقاومة في نابلس وجنين وقلقيلية، في حين يفرض سياسة العقاب الجماعي عبر الحواجز والاقتحامات اليومية. غير أن التجربة أثبتت أن هذه السياسات لم تنجح في كسر روح المقاومة، بل ساهمت في تقويتها.
المجتمع الدولي: بيانات بلا أثر
على الصعيد الدولي، لا تزال الإدانات اللفظية هي السقف الأعلى للتعامل مع هذه الانتهاكات. بيانات أوروبية أو أممية تصف الاستيطان بأنه “عقبة أمام السلام”، دون أن تُترجم إلى خطوات عملية لوقفه. إسرائيل تدرك أن غياب الإرادة الدولية يتيح لها المضي قدمًا في مخططاتها بلا ثمن سياسي حقيقي، بينما تكتفي بعض العواصم الغربية بترديد خطاب “حل الدولتين” الذي بات مجرد شعار فارغ.
خلاصة: الاحتلال ينهب والسلطة تصمت
الاستيلاء على مئات الدونمات في نابلس وقلقيلية ليس حادثًا عابرًا، بل حلقة في مسلسل طويل من الاستيطان والضم، يجري تنفيذه بخطوات متدرجة وثابتة. الغطرسة الإسرائيلية تظهر في تحديها للمجتمع الدولي والقانون الدولي، بينما تتجلى الخيانة في صمت السلطة وتواطئها.
هذه المعادلة تضع الشعب الفلسطيني أمام حقيقة صارخة: الأرض تُسلب يومًا بعد يوم، والرهان على السلطة أو على المجتمع الدولي بات خاسرًا. وحده خيار المقاومة الشعبية والمسلحة قادر على وقف هذا النزيف، وإعادة التوازن أمام مشروع استعماري لا يعرف سوى لغة القوة.
اقرأ أيضًا : غزة تواصل حصد جنود الاحتلال خارج الميدان.. المنتحر الـ20 منذ بداية العام