في مشهد يكشف عمق التبعية المصرية للاحتلال، كشفت صحيفة “إسرائيل اليوم” أن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو وجّه بعدم المضي في تنفيذ اتفاقية تصدير الغاز الطبيعي إلى مصر، إلا بعد موافقته الشخصية. القرار لم يكن مجرد إجراء بروتوكولي، بل رسالة سياسية واضحة تربط بين ملف الطاقة الحيوي لمصر وبين التزام القاهرة ببنود الملحق الأمني لاتفاقية “كامب ديفيد” الموقعة عام 1979.

صفقة غاز تاريخية.. معلّقة بقرار نتنياهو

الصفقة التي أُبرمت في السابع من أغسطس/آب الماضي بين شركتي “ريشيو” و”نيو ميد إنرجي” الإسرائيليتين، المملوكتين لمجموعة “ديليك”، وبين شركة “بلو أوشن إنرجي” المصرية، تُعد الأضخم من نوعها. وبموجبها ستبيع إسرائيل لمصر نحو 130 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي حتى عام 2040، بقيمة تصل إلى 35 مليار دولار.

هذه الصفقة كانت ستعزز اعتماد مصر على الغاز الإسرائيلي ضمن خططها لتأمين احتياجاتها المحلية ولتعزيز موقعها كمركز إقليمي لتسييل الغاز وتصديره. لكن نتنياهو قرر تجميد التنفيذ، ليؤكد أن القاهرة لا تملك قرارها السيادي، وأن كل صفقة تمر أولًا من مكتبه، حتى وإن كان القانون الإسرائيلي يمنح وزير الطاقة وحده صلاحية التوقيع.

سيناء: العقدة الأمنية والذريعة الدائمة

الخطوة الإسرائيلية جاءت بذريعة تقارير تتحدث عن “انتهاكات مصرية” للملحق الأمني من معاهدة السلام. الملحق الذي حدد بدقة حجم وانتشار القوات المصرية في سيناء، ظل لعقود خاضعًا لرقابة دولية، تقودها الولايات المتحدة. لكن بحسب الصحيفة العبرية، فإن الرقابة تراجعت مؤخرًا، ما سمح للقاهرة بإدخال قوات إضافية، وبناء أنفاق يُشتبه في استخدامها لأغراض عسكرية، إضافة إلى توسيع مدارج المطارات.

تل أبيب لم تخف امتعاضها من هذا “التجاوز”، إذ ناشد سفيرها في واشنطن خلال عهد إدارة ترامب استئناف المراقبة، دون أن تلقى دعواته تجاوبًا. واليوم، يبدو أن إسرائيل وجدت وسيلة جديدة للضغط: استخدام ورقة الغاز. فالمعادلة بسيطة: “الامتثال أولًا، ثم الغاز”.

ابتزاز سياسي بغطاء اقتصادي

ما يجري ليس مجرد خلاف اقتصادي، بل ابتزاز سياسي مباشر. نتنياهو يوظف حاجة مصر الماسة للطاقة كسلاح لإجبارها على الانصياع الكامل لشروط تل أبيب الأمنية. فمصر التي عانت لسنوات من انقطاع التيار الكهربائي بسبب نقص الوقود، تدرك أن الغاز الإسرائيلي يوفر متنفسًا مهمًا لتخفيف الأزمة.

لكن الاحتلال يريد أن يضمن أن أي تحرك مصري في سيناء، حتى لو كان لحماية الأمن الداخلي أو لمواجهة الإرهاب، لن يتم إلا بعد أخذ “إذن” من تل أبيب. وهنا تتضح طبيعة العلاقة: سلطة تابعة، مقابل مستعمر يملك زمام المبادرة.

السيسي.. شريك ضعيف أمام الغطرسة الإسرائيلية

على الصعيد السياسي، يعكس هذا المشهد مدى هشاشة النظام المصري بقيادة عبد الفتاح السيسي. فبدل أن يفاوض من موقع الندّية، وجد نفسه أمام ابتزاز صريح: الغاز مقابل الالتزام الأمني في سيناء. النظام الذي قدّم نفسه للعالم كحامٍ للاستقرار الإقليمي، ظهر في الحقيقة كعميل ضعيف أمام ابتزاز تل أبيب، غير قادر على فرض شروطه أو حتى الحفاظ على سيادته.

تاريخيًا، كان الغاز أحد أوراق القوة المصرية، إذ كانت القاهرة تصدّر لإسرائيل عبر خط العريش-عسقلان حتى 2011. اليوم انقلبت المعادلة: إسرائيل هي المصدّر، ومصر هي المستورد، والسيسي يروّج ذلك كـ”إنجاز اقتصادي”، بينما الحقيقة أنه تكريس لهيمنة الاحتلال على ملف الطاقة المصري.

البعد الاستراتيجي: سيناء بين القيود والهيمنة

ربط الاحتلال صفقة الغاز بسيناء ليس تفصيلًا ثانويًا. فالملف الأمني في سيناء يُعد خطًا أحمر لإسرائيل التي ترى أن أي تغيير في حجم القوات المصرية قد يخل بموازين الردع الاستراتيجية. لكن الأهم أن تل أبيب تريد الحفاظ على سيناء كمنطقة منزوعة السيادة المصرية، خاضعة للرقابة الدولية والإملاءات الإسرائيلية، حتى تبقى الحدود مع غزة محاصرة، وحتى لا تتحول سيناء إلى عمق استراتيجي للفلسطينيين.

إسرائيل تدرك أن مصر لن تستغني عن الغاز في ظل أزماتها الاقتصادية، ولذلك فهي توظف هذا الاحتياج لإعادة تثبيت القيود الأمنية المفروضة منذ “كامب ديفيد”. إنها رسالة واضحة: الغاز مقابل سيناء، والطاقة مقابل الطاعة.

خاتمة: ابتزاز يتجاوز الاقتصاد

قرار نتنياهو تجميد الصفقة يفضح جوهر العلاقة بين القاهرة وتل أبيب: علاقة تبعية تُدار بالابتزاز. فبينما يروّج النظام المصري للصفقات مع الاحتلال كإنجازات وطنية، تكشف الوقائع أن مصر تتحول تدريجيًا إلى رهينة بيد إسرائيل، التي تستخدم الغاز كأداة ضغط جديدة تضاف إلى أدواتها السياسية والعسكرية.

ما يجري ليس مجرد تعطيل صفقة، بل تكريس لمعادلة مهينة: سيادة مصر على سيناء مرهونة بموافقة نتنياهو، واحتياجات المصريين للطاقة مرتبطة برغبات الاحتلال. في النهاية، يظهر السيسي كحاكم فاقد للإرادة، يقدم مصالح الاحتلال على مصالح شعبه، ويقبل أن يتحول إلى “عميل” يُبتز على الطاولة ذاتها التي وقّع عليها أسلافه معاهدة سلام مشوّهة قبل أكثر من أربعة عقود.

اقرأ أيضًا : دماء الحقيقة لا تُطمس: 247 شهيدًا من الصحفيين في حرب الإبادة على غزة