في مشهد جديد يكشف عن نهج العقاب الجماعي الذي تتبعه السلطات المصرية، كشفت الشبكة المصرية لحقوق الإنسان عن قيام مصلحة السجون بفرض إجراءات عقابية على عدد من المعتقلين السياسيين من أقارب إعلاميين معارضين مقيمين في الخارج. وتمثلت هذه الإجراءات في نقل المعتقلين إلى سجن المنيا شديد الحراسة، في خطوة اعتبرتها المنظمة الحقوقية تأكيدًا على سياسة ممنهجة تستهدف الضغط على الإعلاميين عبر عائلاتهم.

نقل عقابي وتجاهل للقانون
بحسب الشبكة، شملت عملية النقل الأخيرة:
- أحمد محمد مرسي، زوج شقيقة الإعلامي أحمد سمير (مذيع في قناة مكملين).
- عمر فهمي، نجل شقيقة زوجة الإعلامي محمد ناصر (مذيع في مكملين).
-
عبد الله عبد الدايم، ابن شقيق الإعلامي والفنان هشام عبد الله.
وأوضحت الشبكة أن مصير هؤلاء ما يزال غامضًا، حيث لم يتضح ما إذا كان سجن المنيا سيكون محطة نهائية، أم تمهيدًا لنقلهم إلى سجون أكثر بعدًا مثل الوادي الجديد أو أسيوط، وهو ما يشكل عبئًا إضافيًا على عائلاتهم في الزيارات والمتابعة.
وتشير تقارير المنظمة إلى أن جميع هؤلاء المعتقلين يقبعون في الحبس الاحتياطي منذ أكثر من خمس سنوات، متجاوزين بذلك المدة القصوى المقررة قانونًا، ما يحوّل الحبس الاحتياطي إلى أداة عقاب دائم بدلًا من كونه إجراءً استثنائيًا.
سياسة ممنهجة للعقاب الجماعي
لم تكن هذه المرة الأولى، فقد وثّقت الشبكة في أغسطس/ آب الماضي عملية مشابهة، عندما نقلت السلطات كريم أحمد فهمي (قريب الإعلامي محمد ناصر)، وعبد الله فكري فايد (قريب الإعلامي هشام عبد الله) إلى سجن بدر 1 بعد سنوات من الحبس الاحتياطي.
وسبق ذلك أيضًا ترحيل أحد أشقاء صانع المحتوى عبد الله الشريف إلى سجن الوادي الجديد، في خطوة وُصفت حينها بأنها رسالة عقابية مرتبطة بنشاط الشريف الإعلامي وانتشاره الواسع عبر المنصات.
هذه الحوادث تكشف عن استراتيجية متكاملة تستهدف محاصرة المعارضين في الخارج عبر الضغط على عائلاتهم، في انتهاك صارخ لمبدأ شخصية العقوبة الذي نصت عليه القوانين والدساتير، فضلًا عن المواثيق الدولية لحقوق الإنسان.
استهداف متواصل لذوي المعارضين
أكدت الشبكة أن السنوات الأخيرة شهدت حملة اعتقالات واسعة طالت ذوي إعلاميين معارضين بارزين، مثل عبد الله الشريف، معتز مطر، هشام عبد الله، ومحمد ناصر. الهدف، بحسب المنظمة، هو كسر إرادة هؤلاء الإعلاميين ودفعهم إلى الصمت عبر معاقبة أقرب الناس إليهم.
واستشهدت المنظمة بحالة الإعلامي هشام عبد الله، الذي شهدت أسرته سلسلة اعتقالات؛ بدءًا من شقيقه الأكبر عبد الدايم المعتقل منذ 2017، وصولًا إلى أبنائه وأبناء إخوته، في حلقات متكررة من العقاب الجماعي.
هذه السياسة تعكس حالة من الذعر لدى نظام السيسي من الأصوات الإعلامية المعارضة في الخارج، والتي رغم إغلاق المجال العام في الداخل ما تزال قادرة على كشف الفساد والانتهاكات عبر منصات إعلامية ومنابر رقمية.
انتهاك للمعايير الدولية
ترى الشبكة المصرية أن هذه الممارسات تمثل خرقًا فاضحًا للقانون المصري ذاته الذي يحدد أقصى مدة للحبس الاحتياطي بعامين، فضلًا عن كونها مخالفة صارخة للمعايير الدولية التي تحظر الاعتقال التعسفي والعقاب الجماعي.
كما أن النقل المتكرر إلى سجون نائية مثل المنيا أو الوادي الجديد يندرج ضمن سياسات التنكيل، إذ يعزل المعتقلين عن ذويهم ويجعل زيارتهم شبه مستحيلة، وهو ما يُعتبر شكلًا من أشكال التعذيب النفسي والمعنوي.
وتؤكد منظمات حقوقية أن هذا السلوك لا يعكس فقط انتهاكًا لحقوق الأفراد، بل هو جزء من استراتيجية سلطوية أوسع لإرهاب المجتمع ومنع أي حراك سياسي أو إعلامي ناقد.
قراءة سياسية
من الناحية السياسية، تكشف هذه الإجراءات عن منطق النظام الأمني في مصر: بدلاً من مواجهة النقد الإعلامي بالرد أو الإصلاح، يختار السيسي استخدام العائلات كرهائن غير معلنين للضغط على الإعلاميين في الخارج.
وهذا النهج يعكس فشل النظام في إدارة المجال العام بالحوار أو الإصلاح، ولجوئه بدلًا من ذلك إلى أدوات القمع والتنكيل. كما يعكس قناعة راسخة لدى السلطة بأن التهديد الأخطر يأتي من الإعلام المعارض، لا من الأحزاب أو القوى السياسية التي جرى تفريغها من مضمونها منذ سنوات.
خاتمة
إن استمرار حملات التنكيل بأقارب الإعلاميين المعارضين يفضح عجز نظام السيسي عن استيعاب أي صوت معارض، ويؤكد اعتماده على القمع كخيار وحيد في مواجهة النقد. هذه السياسة، وإن حققت للنظام مكاسب تكتيكية قصيرة الأجل، إلا أنها تترك ندوبًا عميقة في المجتمع المصري، وتفاقم مناخ الغضب والاحتقان الذي قد ينفجر في أي لحظة.
وبينما تستمر السلطة في انتهاج العقاب الجماعي، تبقى الحقيقة واضحة: لا يمكن لأي نظام أن يفرض الصمت إلى الأبد، ولا يمكن للقمع أن يكون بديلًا عن العدالة والحرية.
اقرأ أيضًا : عجرفة الاحتلال وخيانة عباس: استيطان يلتهم نابلس وقلقيلية