منذ ما يقارب العامين يعيش أطفال غزة في جحيم يومي، لم يعد يخفى على العالم أنه نتاج مباشر للهجمات الإسرائيلية وسياساتها الممنهجة.
هذا ما أكدته منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، التي شددت على أن ما يحدث في القطاع ليس “صدفة”، بل هو نتيجة مقصودة لخيارات عسكرية وسياسية حولت غزة إلى مكان غير صالح للحياة، وخاصة للأطفال الذين يُفترض أن يتمتعوا بأبسط حقوق الطفولة والأمان.
![]()
معاناة الطفولة في قلب المأساة
تيس إنغرام، مديرة الاتصالات في مكتب اليونيسف للشرق الأوسط، رسمت صورة قاتمة للوضع خلال مداخلة مرئية من غزة في المؤتمر الصحفي بمقر الأمم المتحدة في نيويورك. أكدت أن الأطفال الفلسطينيين يواجهون “صراع البقاء” وسط قصف متواصل وحصار خانق. هذه ليست مجرد ظروف طارئة، بل “عملية تفتيت منهجية للحياة”، كما وصفتها، إذ تحولت مدينة غزة، التي كانت آخر ملاذ آمن نسبيًا، إلى منطقة يستحيل فيها العيش.
الأطفال الذين يُفترض أن يكونوا في المدارس أو الملاعب، ينامون على وقع القنابل، وبعضهم لا يستيقظ أبدًا. حتى المناطق التي يصفها الاحتلال بأنها “آمنة”، سرعان ما تتحول إلى ساحات موت جماعي، حيث يسقط الأطفال قتلى أو يُصابون بإعاقات دائمة. هذا التناقض بين الخطاب الإسرائيلي والواقع الميداني يكشف حجم الإجرام المقنن الذي يطال المدنيين الأبرياء.
مجاعة ممنهجة وجرائم صامتة
لا تقتصر الكارثة على القصف والدمار، بل تمتد إلى سياسة التجويع التي وصفها مراقبون بأنها سلاح حرب بامتياز. وزارة الصحة في غزة أعلنت وفاة ثلاثة فلسطينيين خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية جراء سوء التغذية، ليرتفع عدد ضحايا المجاعة منذ السابع من أكتوبر 2023 إلى 376 شهيدًا، بينهم 134 طفلاً.
الأرقام تكشف حجم المأساة المتصاعدة: 98 حالة وفاة، بينهم 19 طفلًا، سُجلت فقط منذ إعلان المبادرة العالمية للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي عن وقوع مجاعة في مدينة غزة في 22 أغسطس الماضي. هذا المؤشر الخطير لا ينذر فقط بامتداد الأزمة إلى دير البلح وخان يونس بحلول نهاية سبتمبر، بل يكشف عن خطة إسرائيلية لإخضاع السكان عبر الجوع، بعد أن فشل القصف في كسر صمودهم.
الأدهى أن هذه الجرائم تجري في ظل إغلاق كامل للمعابر منذ 2 مارس الماضي، ومنع دخول الغذاء والدواء والوقود، رغم تكدس مئات الشاحنات على الحدود. وحتى المساعدات المحدودة التي سُمح بدخولها، لا تكاد تكفي الحد الأدنى لاحتياجات السكان، وغالبًا ما تتعرض للسطو من مجموعات تحميها قوات الاحتلال.
مسؤولية الاحتلال والإفلات من العقاب
ما يجري في غزة ليس كارثة طبيعية أو أزمة عابرة، بل هو نتاج سياسات واضحة المعالم، تهدف إلى تركيع السكان عبر الحصار والتجويع والقصف. هذه الأفعال، وفق القانون الدولي، ترقى إلى مستوى “جرائم حرب” و”جرائم ضد الإنسانية”، حيث يُحرم المدنيون من الغذاء والدواء في سياق نزاع مسلح.
إصرار الاحتلال على إغلاق المعابر، واستهداف المدنيين المنتظرين للمساعدات، يُظهر بوضوح أن الأمر ليس خللاً في “قواعد الاشتباك”، بل هو نهج ثابت. هنا، لا يعود السؤال عن “مسؤولية” إسرائيل بل عن حجم تواطؤ المجتمع الدولي وصمته، الذي يشجع على استمرار هذه الجرائم دون محاسبة.
صرخة اليونيسف والنداء الإنساني
في ظل هذه المأساة، وجهت إنغرام دعوة عاجلة للمجتمع الدولي بالتحرك السريع، مطالبة إسرائيل بمراجعة قواعد اشتباكها بما يتماشى مع القانون الدولي، وضمان حماية الأطفال. لكن السؤال يبقى: هل يكفي نداء من منظمة دولية لوقف آلة القتل والتجويع؟
اليونيسف لم تكتفِ بالتشخيص، بل سلطت الضوء على “المسؤولية المباشرة” للسياسات الإسرائيلية في صناعة المعاناة، لتؤكد أن أطفال غزة ليسوا ضحايا حرب عشوائية، بل أهدافًا ضمن خطة عسكرية واقتصادية منظمة. هذه الحقيقة تُلزم العالم، خاصة الدول التي ترفع شعارات حقوق الإنسان، بالتحرك الفعلي وليس الاكتفاء بالبيانات الدبلوماسية.
مأساة مستمرة بانتظار العدالة
بين أصوات الأطفال الذين يئنون جوعًا وتحت القصف، وصمت المجتمع الدولي، يتضح أن معاناة غزة ليست مجرد فصل عابر في صراع طويل، بل مأساة وجودية ستترك آثارًا لأجيال قادمة. إن استمرار هذه السياسات دون ردع أو محاسبة يعني فتح الباب لمزيد من الانتهاكات، ليس فقط في فلسطين، بل في أي منطقة يُختبر فيها صمت العالم.
أطفال غزة، الذين يموتون يوميًا جوعًا أو تحت الأنقاض، هم الدليل الصارخ على أن الإجرام الإسرائيلي لم يعد يقتصر على العمليات العسكرية، بل أصبح سياسة شاملة تستهدف الإنسان في حقه بالحياة. هذه الحقيقة يجب أن تبقى شاهدة على فشل المنظومة الدولية في حماية أضعف الفئات وأكثرها براءة، وأن تُشكل نقطة ضغط متجددة على الاحتلال وحلفائه حتى لا تظل الطفولة الفلسطينية مجرد “رقم” في تقارير المنظمات.
اقرأ أيضًا : خطة طوارئ إسرائيلية للضفة الغربية.. تمهيد ميداني لضم 82% من أراضيها