في خطوة لافتة تحمل أبعادًا إنسانية وسياسية عميقة، يستعد أسطول “عمر المختار” للإبحار من السواحل الليبية يوم التاسع من الشهر الجاري، ليكون جزءًا من “قافلة الصمود العالمية” التي تهدف إلى كسر الحصار المفروض على قطاع غزة منذ سنوات.

هذه المبادرة، التي تنطلق لأول مرة من ليبيا، لا تقتصر على كونها تحركًا رمزيًا للتضامن مع الشعب الفلسطيني، بل تمثل أيضًا امتدادًا لتاريخ طويل من الدعم الشعبي العربي لقضية فلسطين، ورسالة تحدٍ ضد السياسات الاستعمارية التي حولت غزة إلى سجن مفتوح.

مشاركة دولية واسعة وشخصيات بارزة

الأسطول الليبي يضم وجوهًا بارزة من الساحة السياسية والأكاديمية والحقوقية، مثل رئيس وزراء ليبيا الأسبق عمر الحاسي، والحقوقي كمال الشامي، والمستشار محمد الحداد، إضافة إلى الأستاذ سعد المغربي ممثل الجالية المسلمة في بريطانيا، وعبد الرزاق الحنيش مفوض الأسطول في ليبيا. كما تشارك شخصيات دولية بارزة، منها الصحفية البريطانية إيفون ريدلي المعروفة بدفاعها عن القضية الفلسطينية، والناشطة الاسكتلندية مارغاريت باشيتة، والحقوقية الكندية من أصل مصري رباب مصطفى.

هذه التركيبة تعكس البعد الأممي للأسطول، حيث يجتمع متضامنون من جنسيات وخلفيات متعددة تحت راية إنسانية واحدة. حضور أسماء أوروبية وكندية يضفي على الحدث بعدًا إضافيًا، إذ يبرهن أن القضية الفلسطينية لم تعد شأناً عربيًا أو إسلاميًا فقط، بل قضية ضمير عالمي.

خطاب إنساني في مواجهة التطهير العرقي

في المؤتمر الصحفي الذي عُقد بميدان الجزائر في طرابلس، شدد عمر الحاسي على أن الأسطول “عمل إنساني خالص” لا يمثل أي حزب أو حكومة، بل يأتي ردًا طبيعيًا على ما وصفه بـ”التطهير العرقي” الذي تمارسه “إسرائيل” ضد المدنيين في غزة. وأكد أن الحصار والتجويع والقصف ليست فقط انتهاكًا للقانون الدولي، بل جرائم ضد الإنسانية يجب على العالم الوقوف أمامها.

هذا الخطاب يضع الأسطول في خانة المقاومة المدنية السلمية، ويمنحه شرعية أخلاقية تستند إلى المبادئ الإنسانية، بعيدًا عن أي حسابات سياسية ضيقة.

أسطول الصمود العالمي.. شبكة تضامن عابرة للحدود

تحرك الأسطول الليبي يأتي ضمن إطار أوسع يتمثل في “أسطول الصمود العالمي”، وهو تحالف يضم “أسطول الحرية”، و”حركة غزة العالمية”، و”قافلة الصمود”، إلى جانب “منظمة صمود نوسانتارا” الماليزية. وقد انطلقت بالفعل نحو 20 سفينة من ميناء برشلونة الإسباني، تبعتها أخرى من ميناء جنوة الإيطالي، ومن المنتظر أن تلتحق سفن إضافية من تونس خلال الأيام المقبلة.

وجود شخصيات أوروبية بارزة مثل آدا كولاو، رئيسة بلدية برشلونة السابقة، والنائبة البرتغالية ماريانا مورتاغوا، يعكس أن الحراك لا يقتصر على منظمات المجتمع المدني، بل يمتد إلى مستويات سياسية رفيعة داخل أوروبا، ما يزيد من الضغط على الحكومات الغربية المتواطئة أو الصامتة تجاه جرائم الاحتلال.

السياق الدولي: تصاعد الغضب الشعبي والرسمي

يتزامن انطلاق أسطول “عمر المختار” مع تصاعد الإدانات الدولية للانتهاكات الإسرائيلية في غزة، ومع دعوات أممية متكررة لوقف الحرب التي خلفت عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى، غالبيتهم من النساء والأطفال. الاتهامات الموجهة لحكومة الاحتلال بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية أعادت إلى الواجهة النقاش حول ضرورة محاسبة المسؤولين الإسرائيليين أمام محاكم دولية.

كما أن المبادرات الشعبية، مثل القوافل البحرية، تسهم في إبقاء القضية الفلسطينية في دائرة الضوء الإعلامي والسياسي، وتمنع محاولات الاحتلال تحويل الحرب على غزة إلى “أمر اعتيادي” يختفي تدريجيًا من الأجندة الدولية.

ليبيا ورسالة استعادة الدور

اختيار ليبيا لتسيير أسطول تضامن يحمل رمزية خاصة. فالبلد الذي يعاني من أزمات داخلية معقدة، يرسل رسالة إلى العالم مفادها أن الشعوب لا تزال قادرة على التعبير عن تضامنها رغم الصعوبات.

 تسمية الأسطول باسم “عمر المختار” – رمز المقاومة ضد الاستعمار الإيطالي – تعكس كذلك محاولة لاستعادة روح الكفاح والتحرر وربطها بمعركة الشعب الفلسطيني.

هذه الخطوة قد تفتح الباب أمام مبادرات مشابهة من دول عربية أخرى، خصوصًا أن التضامن الشعبي العربي مع غزة يظل أكبر بكثير من المواقف الرسمية التي غالبًا ما تخضع لحسابات سياسية معقدة.

التحديات أمام القافلة

رغم الزخم الكبير، يواجه أسطول “عمر المختار” تحديات جسيمة. تجربة “أسطول الحرية” عام 2010، عندما تعرضت سفينة “مافي مرمرة” التركية لهجوم دموي من قوات الاحتلال أدى إلى استشهاد عشرة متضامنين، تظل ماثلة في الأذهان. هناك خشية حقيقية من أن تلجأ “إسرائيل” إلى اعتراض السفن بالقوة، ما قد يؤدي إلى مواجهات أو أزمات دبلوماسية.

ومع ذلك، فإن مجرد الإبحار يحمل قيمة رمزية قوية، حتى لو لم تصل القافلة إلى غزة. فهو يفضح استمرار الحصار، ويضع الاحتلال في مواجهة مباشرة مع الرأي العام العالمي.

خلاصة

أسطول “عمر المختار” ليس مجرد مبادرة إنسانية محلية، بل جزء من حركة تضامن عالمية متنامية ترفض سياسات الإبادة الجماعية في غزة. هو رسالة أمل إلى الفلسطينيين بأنهم ليسوا وحدهم، ورسالة تحدٍ إلى الاحتلال بأن الحصار لن يُكسر بالصمت، بل بالإرادة الشعبية العابرة للحدود.

وبينما يستعد الأسطول للإبحار من طرابلس، فإن العيون تتجه إلى البحر المتوسط، بانتظار ما إذا كان العالم سيترك هذه القافلة تمر لتصل إلى غزة المحاصرة، أم أن “إسرائيل” ستكرر سيناريوهات القمع السابقة. وفي كلتا الحالتين، يبقى المكسب الأكبر هو استمرار إحياء الوعي العالمي بالقضية الفلسطينية، وتثبيت حضورها في وجدان الأحرار عبر العالم.

اقرأ أيضًا : إيطاليا بين التزاماتها الإنسانية وضغوط الاحتلال: ميلوني تتعهد بحماية المشاركين في “أسطول الصمود” إلى غزة