تعيش تونس على وقع أزمة سياسية خانقة منذ قرارات قيس سعيّد في 25 يوليو/تموز 2021، والتي اعتبرتها المعارضة “انقلاباً على الدستور”، وسط تواصل اعتقالات طالت سياسيين وصحفيين ورجال أعمال وأمنيين تحت عناوين أبرزها “التآمر على أمن الدولة”. 

وفي هذا السياق، عادت جبهة الخلاص الوطني لتؤكد تمسكها بخيار الحرية وإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين، معتبرة أنّ هذه القضية تمثل المدخل الحقيقي لأي مسار إنقاذ، بالتوازي مع خطوات لتقريب المعارضة وبناء أرضية مشتركة لمواجهة الاستبداد المتصاعد.

تمسك بالحرية.. ورفض للاستثناءات

أكد رئيس جبهة الخلاص أحمد نجيب الشابي أنّ استئناف السنة السياسية الجديدة يأتي في وقت يقبع فيه عشرات السياسيين خلف القضبان، وأنّ الجبهة تعتبر أنّ “سراحهم دون استثناء واجب لا يمكن التنازل عنه”. وشدّد الشابي على أنّ الوقفات التضامنية والاحتجاجات التي ستنطلق قريباً ليست مجرد رمزية، بل إعلان عن دخول مرحلة جديدة من الضغط الشعبي والسياسي لمواجهة القمع. بالنسبة له، فإنّ استمرار هذه الاعتقالات يفضح طبيعة الحكم القائم الذي يحتكر السلطات، ويعتمد القضاء كأداة لتصفية الخصوم.

هذا الطرح يعكس قناعة الجبهة بأنّ المعركة ليست قضائية بل سياسية بالأساس، وأنّ ما يحدث هو محاولة ممنهجة لقطع الطريق على أي معارضة فاعلة عبر التنكيل بقياداتها وحرمانها من حرية التعبير والمشاركة. لذلك، فإنّ شعار “متمسكون بسراح جميع المعتقلين” لم يعد مجرد مطلب حقوقي، بل جزء من استراتيجية جبهة الخلاص لتوحيد القوى المناهضة لسعيّد.

الأزمة المركبة وفشل السلطة

من جانبه، أوضح عماد الخميري، عضو جبهة الخلاص والناطق الرسمي باسم حركة النهضة، أنّ الاعتقالات الواسعة ليست سوى انعكاس لعجز السلطة عن تقديم حلول اقتصادية واجتماعية. وقال إنّ “السياسة في تونس باتت فضاء متصحراً، والسلطة تحوّلت إلى جهة تدين معارضيها بدل إدارة شؤون الناس”. وأكد أنّ استمرار سجن العشرات من الشخصيات المعارضة يعمّق المأزق السياسي ويجعل النظام أمام أزمة خانقة، مشيراً إلى أنّ الجبهة تعتبر قضية المعتقلين أولوية لا يمكن تأجيلها.

هذا الربط بين الاستبداد السياسي والأزمة الاقتصادية والاجتماعية يعكس منطقاً بات يتكرر في خطاب المعارضة: ففشل السلطة في معالجة الغلاء والبطالة وتراجع الخدمات يتم تغطيته عبر “افتعال معارك” مع الخصوم، وتحويلهم إلى “كبش فداء” لتبرير العجز. لكن الخميري أشار إلى أنّ هذا النهج أوصل البلاد إلى حالة انسداد غير مسبوقة، وفتح الباب أمام انهيار الثقة بين المجتمع ومؤسساته.

خطوات لتقريب المعارضة.. بين الأمل والتجاذب

أعلنت جبهة الخلاص أنّها قدّمت خلال الفترة الماضية عدداً من المبادرات الهادفة إلى جمع المعارضة على “الأرضية الدنيا”، أي النضال السلمي والمدني لإيقاف الانهيار. ورغم أنّ بعض الخطوات الإيجابية تحققت، إلا أنّ التجاذبات الأيديولوجية ومنطق الإقصاء ما زالا يحولان دون بناء وحدة وطنية صلبة. وكشف الشابي أنّ الجبهة بصدد تدارس خطوات جديدة لتقريب وجهات النظر، على أمل أن يُتوصل قريباً إلى توافق أوسع.

المعضلة الرئيسية تكمن في أنّ أطراف المعارضة التونسية لم تنجح منذ 2021 في تجاوز خلافاتها الداخلية. فبين الإسلاميين والعلمانيين، واليسار والليبراليين، ظلت الشكوك المتبادلة هي العنوان الأبرز، ما سهّل على سعيّد المضي قدماً في مشروعه الفردي، وأضعف أي جبهة موحّدة قادرة على مواجهته. واليوم، ترى جبهة الخلاص أنّ تجاوز هذا التشرذم بات ضرورة وجودية، لا خياراً سياسياً.

الاستبداد والشيطنة.. استراتيجية سعيّد للبقاء

منذ إعلان “التدابير الاستثنائية”، اعتمد الرئيس قيس سعيّد سياسة تقوم على الشيطنة الممنهجة للمعارضين، عبر اتهامهم بالتآمر، أو خدمة أجندات أجنبية، أو تهديد الأمن القومي. هذه الاستراتيجية، التي رافقتها موجة اعتقالات وإجراءات قضائية قاسية، جعلت كل صوت معارض عرضة للملاحقة. ومع أنّها نجحت مرحلياً في إضعاف الأحزاب وتفتيت المعارضة، إلا أنّها لم تنجح في حلّ مشاكل التونسيين اليومية، ما جعل الاستبداد نفسه يولّد مزيداً من الغضب واليأس.

المفارقة أنّ النظام الذي جاء بشعارات “تصحيح المسار” و”استعادة السيادة للشعب”، انتهى إلى تكريس حكم فردي مطلق، يُدار عبر مراسيم رئاسية ومحاكمات سياسية، فيما يستمر الاقتصاد في الانهيار. وهنا تحاول جبهة الخلاص إقناع بقية الأطراف بأنّ معركة اليوم لم تعد حول برامج اقتصادية أو إيديولوجيات، بل حول استعادة أبسط قواعد الديمقراطية ومنع انزلاق البلاد نحو المجهول.

خاتمة: هل تنجح المعارضة في كسر الحلقة؟

في ضوء هذه التطورات، تبدو جبهة الخلاص أمام اختبار حاسم: هل ستنجح في تقريب المعارضة وتجاوز سنوات الانقسام، أم أنّ التجاذبات ستبقى العائق الأكبر أمام مواجهة قمع سعيّد؟ ما هو مؤكد أنّ تمسكها بسراح جميع المعتقلين السياسيين يمنحها أرضية أخلاقية وإنسانية صلبة، لكن نجاحها يبقى رهناً بقدرتها على بناء جبهة وطنية تتحدث بصوت واحد.

فالمعركة في تونس لم تعد مجرد خلافات سياسية عابرة، بل صراع حول مستقبل الدولة نفسها: بين مشروع استبدادي فردي يواصل إحكام قبضته عبر القمع، ومعارضة تسعى، رغم جراحها وانقساماتها، إلى إعادة الاعتبار للديمقراطية والحرية. وفي هذا السياق، قد تكون الخطوات المقبلة لجبهة الخلاص هي الفرصة الأخيرة قبل أن يُحكم القيد على رقاب الجميع.

اقرأ أيضًا : اليونيسف: أطفال غزة ضحايا السياسات الإسرائيلية