لم يكن تهديد وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس بتدمير مزيد من الأبراج السكنية في مدينة غزة مجرد تصريح عابر على منصة “إكس”، بل يمثل انعكاسًا مباشرًا لنهج متواصل يقوم على العقاب الجماعي وتدمير البنى التحتية المدنية كوسيلة للضغط السياسي والعسكري على المقاومة الفلسطينية. 

ففي تصريحه الأخير، الاثنين، قال كاتس: “اليوم ستضرب عاصفة مدمرة سماء مدينة غزة وستهتز أسطح أبراج الإرهاب… أطلقوا سراح الأسرى وألقوا السلاح وإلا سندمر غزة وأنتم ستبادون”. كلمات تفضح بوضوح طبيعة الحرب الإسرائيلية التي لم تعد تخفي استهدافها للمدنيين والبيئة العمرانية في القطاع المحاصر منذ ما يقرب من عقدين.

الأبراج السكنية هدف مفضّل للاحتلال

منذ اندلاع الحرب الأخيرة، تحولت الأبراج السكنية في غزة إلى أهداف رئيسية للقصف الإسرائيلي. هذه المباني التي تأوي مئات العائلات وتشكّل قلب الحياة المدنية في القطاع باتت تتساقط واحدًا تلو الآخر تحت نيران الطائرات الإسرائيلية. خلال الأيام الماضية وحدها، دُمّر برج “مشتهى” المؤلف من 12 طابقًا والذي لجأت إليه عشرات العائلات النازحة، وكذلك برج “السوسي” ذي الـ15 طابقًا والذي يضم أكثر من 60 شقة سكنية مكتظة بالمهجرين. كما طالت الغارات أبراجًا أخرى منها “مكة” و”رؤيا”، ما أدى إلى تشريد آلاف الفلسطينيين في مشهد يُعيد رسم صورة الأحياء المحطمة التي صارت بلا ملامح.

سياسة استهداف الأبراج ليست وليدة اللحظة؛ بل هي نهج ثابت للاحتلال منذ الحروب السابقة، لكنها هذه المرة تأتي بوتيرة أعنف وتحت غطاء سياسي معلن، حيث يربطها كاتس بشكل مباشر بملف الأسرى ونزع سلاح المقاومة. بمعنى آخر، الاحتلال يستخدم حياة آلاف المدنيين كورقة تفاوض وضغط، في خرق صارخ للقانون الدولي الإنساني الذي يحظر استهداف المدنيين والبنى التحتية غير العسكرية.

تهديدات متكررة ورسائل “أبواب الجحيم”

لم يكتفِ كاتس بتهديداته الأخيرة، بل سبق أن أطلق الجمعة الماضية تصريحات مشابهة، توعّد فيها بفتح “أبواب الجحيم” على غزة، معلنًا تسليم إشعارات بإخلاء مبانٍ شاهقة قبل دقائق من قصفها. هذا النمط من السلوك يكشف عن استخدام الاحتلال لما يشبه “العقوبات الاستعراضية”، حيث يتم استهداف مبانٍ كاملة أمام عدسات الإعلام لإيصال رسالة ترهيب جماعي، ليس فقط لسكان غزة، بل أيضًا للفلسطينيين في الخارج، وربما للوسطاء الدوليين.

التصريحات تحمل أبعادًا نفسية واضحة: فهي تسعى إلى بث الرعب في نفوس المدنيين ودفعهم إلى فقدان الثقة بجدوى الصمود. لكنها في الوقت ذاته تكشف مأزق الاحتلال؛ فالمؤسسة العسكرية، رغم تفوقها التكنولوجي، عاجزة عن تحقيق “حسم عسكري” ضد المقاومة، فتتجه إلى تدمير الحجر والبشر لإيهام جمهورها الداخلي بأنها تحقق إنجازات.

تجاهل إسرائيل لجهود الوسطاء

المفارقة الكبرى أن تهديدات كاتس تأتي في وقت سبق أن وافقت فيه حركة حماس، في 18 آب/ أغسطس الماضي، على مقترح قدمه الوسطاء بشأن صفقة جزئية لوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى، وهو مقترح يتطابق مع طرح أمريكي وافقت عليه إسرائيل سابقًا. ومع ذلك، لم تُبدِ تل أبيب أي تجاوب، بل واصلت التصعيد الميداني. هذا التناقض يوضح أن إسرائيل لا تبحث جديًا عن حلول دبلوماسية، بل تستخدم ملف الأسرى ذريعة لمواصلة الحرب وتبرير سياسات الإبادة بحق الفلسطينيين.

التهرب الإسرائيلي من الاتفاقات يعكس أيضًا أزمة داخلية، حيث تواجه حكومة نتنياهو ضغوطًا متزايدة من المعارضة والرأي العام حول فشلها في استعادة الأسرى الإسرائيليين. ومن ثم، يلجأ وزراء مثل كاتس إلى خطاب متشدد لتغطية هذا الفشل، حتى لو كان الثمن تدمير غزة فوق رؤوس سكانها.

سياسة العقاب الجماعي وإجرام الاحتلال

تصريحات كاتس ليست مجرد “تشدّد لفظي” بل تجسيد لسياسة العقاب الجماعي التي ينتهجها الاحتلال منذ عقود. فالحرب الإسرائيلية على غزة لم تعد تفرّق بين مقاتل ومدني، بل تستهدف كل مظاهر الحياة: المنازل، المدارس، المستشفيات، وحتى مراكز الإيواء. تدمير الأبراج السكنية يُعدّ أحد أشكال هذه السياسة، إذ يهدف إلى تحويل حياة الفلسطينيين إلى جحيم، ودفعهم إلى الاستسلام أو النزوح القسري، في محاولة لتغيير الواقع الديمغرافي للقطاع.

القانون الدولي يصنّف هذه الممارسات ضمن “جرائم الحرب”، حيث أن استهداف المدنيين وممتلكاتهم بلا ضرورة عسكرية مباشرة يرقى إلى مستوى الإبادة الجماعية. ومع ذلك، يواصل الاحتلال هذه الانتهاكات في ظل صمت دولي مريب، واكتفاء بعض العواصم الغربية بالتعبير عن “القلق”، بينما تستمر واشنطن في تزويد إسرائيل بالسلاح والدعم السياسي.

قراءة في أبعاد التهديد

يمكن فهم تهديدات كاتس في ثلاثة أبعاد رئيسية:

  1. البعد العسكري: محاولة لتغطية الفشل في القضاء على المقاومة عبر استعراض القوة ضد المدنيين.

  2. البعد السياسي: رسائل داخلية للشارع الإسرائيلي بأن الحكومة “تحسم” في غزة، رغم إخفاقها في تحقيق أي إنجاز ملموس.

  3. البعد التفاوضي: استخدام المدنيين والأبراج كورقة ضغط لإجبار حماس على تقديم تنازلات، رغم أن الأخيرة أبدت مرونة نسبية في التعاطي مع مقترحات الوسطاء.

هذه الأبعاد مجتمعة تؤكد أن الاحتلال ماضٍ في نهج الحرب المفتوحة، دون اعتبار للتبعات الإنسانية أو القانونية، ما يضع المنطقة أمام احتمالات تصعيد أوسع قد يمتد أثره إلى الضفة الغربية ولبنان وربما المنطقة بأسرها.

خاتمة: دماء المدنيين وقود الابتزاز

تهديدات يسرائيل كاتس تكشف بوضوح الوجه الحقيقي للاحتلال الإسرائيلي: كيان قائم على العنف والابتزاز، يستخدم حياة المدنيين ودماء الأطفال كورقة مساومة سياسية. فبينما يتحدث الوسطاء عن فرص للتهدئة، يصرّ قادة الاحتلال على توجيه الصواريخ نحو الأبراج السكنية، وكأن تدمير غزة بالكامل هو الخيار الوحيد المطروح على طاولتهم.

في النهاية، يظل السؤال مفتوحًا: إلى متى سيبقى المجتمع الدولي يتعامل مع هذه التصريحات والممارسات كـ”مجرّد تصريحات سياسية”؟ فالإبادة في غزة ليست احتمالا مستقبليًا كما يهدد كاتس، بل واقعًا داميا مستمرًا منذ نحو 700 يوم، ولا يزال يتغذى على الصمت العالمي والتواطؤ الغربي.

اقرأ أيضًا : ناشطون وسياسيون يطلقون “أسطول الصمود المصري” لمواجهة خيانة السيسي وكسر حصار غزّة