في مشهد جديد من مشاهد التصعيد الشعبي العالمي ضد جرائم الاحتلال الإسرائيلي في غزة، اقتحم ناشطون مؤيدون لفلسطين مساء الاثنين مبنى شركة الأسلحة الإسرائيلية “إلبيت سيستمز” (Elbit Systems) في مدينة أولم الألمانية.
الهجوم، الذي تبنته منظمة “فلسطين أكشن”، لم يكن مجرد احتجاج عابر، بل خطوة نوعية في سياق حملة متصاعدة تستهدف الشركات المتورطة في تزويد آلة الحرب الإسرائيلية بأدوات القتل، ما يعكس تحوّلًا واضحًا في أسلوب النضال الدولي ضد الاحتلال من مجرد التظاهر إلى الفعل المباشر.
![]()
تفاصيل الاقتحام ورسائل الاحتجاج
وسائل إعلام عبرية، منها هيئة البث الرسمية وصحيفة هآرتس، أفادت بأن الناشطين كسروا النوافذ وألقوا قنابل دخان وأكياس طلاء داخل المبنى، كما خطوا شعارات غرافيتي مثل “قتلة الأطفال” في إشارة مباشرة إلى جرائم الاحتلال في غزة. العملية وثقت بالفيديو ونشرت على منصات التواصل الاجتماعي لتصبح جزءًا من معركة الوعي العالمية.
الشرطة الألمانية طوقت المكان بسرعة واعتقلت خمسة نشطاء دون مقاومة، وأعلنت أن الأضرار الأولية تُقدَّر بمئات آلاف اليوروهات. التحقيقات تجري تحت إشراف مكتب التحقيقات الجنائية التابع لوزارة الداخلية الألمانية، فيما أرسلت الشرطة تعزيزات إلى مبنى آخر تابع لـ”إلبيت” تحسبًا لتكرار الاقتحام.
هذه التفاصيل تكشف أن الرسالة لم تكن موجهة فقط للشركة، بل أيضًا للسلطات الألمانية نفسها التي توفر بيئة آمنة لتوسع الشركات الإسرائيلية على أراضيها، رغم تورطها في جرائم حرب موثقة.
“فلسطين أكشن”: من بريطانيا إلى ألمانيا
منظمة “فلسطين أكشن”، التي تأسست عام 2020، اكتسبت شهرتها عبر الهجمات المباشرة على مصانع ومكاتب “إلبيت” في بريطانيا، ما أدى في بعض الحالات إلى إغلاق مصانع كاملة مثل فرع الشركة في بريستول. الجديد اليوم هو انتقال الحركة إلى ألمانيا، الدولة التي تمثل ثاني أكبر حليف عسكري وسياسي لإسرائيل بعد الولايات المتحدة.
الأسبوع الماضي فقط، تعرض جناح الشركة في معرض الأسلحة بمدينة كيلتسه البولندية لهجوم مماثل من ناشطين رفعا العلم الفلسطيني ورشّا طلاء أحمر على الجناح، في إشارة رمزية إلى الدم الفلسطيني المسفوك. هذه التحركات المتكررة تُظهر أن هناك شبكة متنامية من النشطاء الأوروبيين الذين لم يعودوا يكتفون بالاعتصامات أو رفع الشعارات، بل اختاروا استهداف البنية التحتية الدعائية والاقتصادية للاحتلال بشكل مباشر.
ثورة على الدعم الغربي للاحتلال
الهجوم على “إلبيت” لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق السياسي الأوسع: استمرار الدعم الغربي غير المشروط لإسرائيل في حربها على غزة. فمنذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، ارتكب جيش الاحتلال مجازر موثقة خلّفت أكثر من 64 ألف شهيد و163 ألف جريح، معظمهم من النساء والأطفال، بالإضافة إلى مئات آلاف النازحين ومجاعة قتلت مئات الفلسطينيين.
ورغم هذه الأرقام المروعة، واصل الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا، تقديم الغطاء السياسي والعسكري لإسرائيل، بما في ذلك صفقات الأسلحة والتعاون الاستخباراتي. في هذا السياق، يصبح استهداف شركات مثل “إلبيت” تجسيدًا لغضب متنامٍ في الشارع الغربي من ازدواجية المعايير، حيث يُدان أي عنف في أماكن أخرى بينما تُبرر مجازر الاحتلال بحق المدنيين.
البعد الرمزي والسياسي للهجوم
الهجوم في أولم لم يسفر عن إصابات، لكنه أحدث صدًى سياسيًا وإعلاميًا أكبر من حجمه المادي. فهو يعكس تحوّل الاحتجاج الأوروبي من “ثقافة المظاهرات” إلى “ثقافة الفعل المباشر”، حيث لم يعد الشارع مقتنعًا بجدوى رفع الشعارات أمام سفارات إسرائيل أو برلمانات أوروبا.
الرسالة هنا أن الاحتلال لن ينعم بالهدوء حتى داخل الدول الداعمة له، وأن شركاته ستظل أهدافًا مكشوفة للنشطاء الذين يعتبرون أن كل عقد تسليح جديد يترجم إلى دماء تسفك في غزة. بل إن هذه الأفعال تعيد رسم العلاقة بين الرأي العام الأوروبي وحكوماته، حيث يكشف النشطاء التناقض بين خطاب “حقوق الإنسان” الغربي وممارساته على الأرض.
أبعاد مستقبلية: من “الفعل المحلي” إلى “الحراك العابر للحدود”
المشهد يشي بأننا أمام موجة جديدة من التضامن مع فلسطين، لم تعد مقتصرة على العرب والمسلمين، بل يقودها أيضًا ناشطون أوروبيون يرون في القضية الفلسطينية رمزًا لمناهضة الإمبريالية والعسكرة الغربية. انتقال الاحتجاج من بريطانيا إلى ألمانيا وبولندا يوضح أن الحراك آخذ في التوسع، وربما نشهد قريبًا عمليات مشابهة في فرنسا أو إيطاليا أو حتى داخل الولايات المتحدة نفسها.
هذه الموجة إذا ما استمرت، قد تشكل ضغطًا ملموسًا على الحكومات الغربية، ليس فقط سياسيًا بل اقتصاديًا، من خلال تكبيد الشركات الإسرائيلية خسائر مباشرة، وتعريض سمعتها الدولية للتشويه المستمر. وهي خطوة قد تجبر بعض الحكومات على مراجعة مواقفها أو على الأقل إعادة التفكير في مدى جدوى استمرار الدعم المطلق لإسرائيل.
خلاصة
إن اقتحام ناشطي “فلسطين أكشن” مبنى شركة “إلبيت” في ألمانيا ليس مجرد حادثة أمنية معزولة، بل حلقة في سلسلة تصعيد عالمي ضد جرائم الاحتلال وضد الحكومات الغربية المتواطئة. هذه الأفعال ترسل رسالة واضحة: إن دعم الإبادة لن يمر دون كلفة، وإن النشطاء حول العالم باتوا يشكلون “خط مقاومة ثانٍ” يلاحق إسرائيل وحلفاءها حتى في قلب أوروبا.
الاحتلال الذي يعتمد على التفوق العسكري والتغطية الغربية قد يربح معارك على الأرض، لكنه يخسر تدريجيًا معركة الشرعية والرأي العام الدولي. وفي ظل استمرار المجازر في غزة، يبدو أن هذه الموجة من الفعل المباشر لن تتوقف قريبًا، بل قد تتحول إلى حركة عالمية واسعة تضع الحكومات الغربية في مواجهة مع شعوبها، وتجعل من “إلبيت” وأخواتها رموزًا للسقوط الأخلاقي قبل أن تكون مؤسسات عسكرية.
اقرأ أيضًا : مسيّرة تضرب مطار رامون: هجوم نوعي يفضح هشاشة الاحتلال