في تصعيد غير مسبوق منذ بدء الاستهدافات الإسرائيلية لمناطق شمال وغرب اليمن، أعلنت وزارة الصحة في حكومة الحوثيين مساء الأربعاء، أن حصيلة ضحايا الغارات الإسرائيلية التي ضربت العاصمة صنعاء ومحافظة الجوف ارتفعت إلى 166 شهيدًا وجريحًا، وسط تحذيرات من تفاقم الكارثة الإنسانية في بلدٍ أنهكته الحروب والحصار.
الوزارة أوضحت في بيان رسمي أن الأعداد المعلنة غير نهائية، في ظل استمرار عمليات البحث والإنقاذ تحت أنقاض المباني المدمرة، مشيرة إلى أن العديد من الضحايا مدنيون بينهم نساء وأطفال، بينما ما تزال فرق الدفاع المدني تعمل في ظروف شحيحة الإمكانات.

صنعاء: استهداف قلب الجهاز الإعلامي العسكري للحوثيين
تركزت الضربات الجوية في العاصمة صنعاء على مقر دائرة “التوجيه المعنوي”، الجهة المسؤولة عن الإعلام العسكري التابع لجماعة الحوثي، والواقعة في منطقة التحرير شديدة الاكتظاظ وسط المدينة.
وبحسب مصدر عسكري تحدث لـ”عربي21″، فإن الغارات دمّرت مباني تضم صحيفتي “26 سبتمبر” و”اليمن” ومطبعة رئيسية للصحف المحلية، مخلفةً عشرات الضحايا من العاملين. وأضاف أن الاستهداف بدا وكأنه محاولة لاغتيال الناطق العسكري باسم الحوثيين يحيى سريع، الذي يشغل في الوقت ذاته منصب مدير دائرة التوجيه المعنوي، دون تأكيد رسمي حتى الآن على مصيره.
الغارات التي استهدفت قلب صنعاء التجاري والسكني تسببت في انهيار جزئي لعشرات المباني المجاورة واشتعال حرائق في المحال التجارية، ما أدى إلى سقوط ضحايا مدنيين جدد وإرباك واسع لحركة الإنقاذ والإخلاء، وسط انقطاع مؤقت للاتصالات والإنترنت في بعض الأحياء.
الجوف: ضربات مركزة على مقرات حكومية ومخابراتية
في موازاة ذلك، شنت الطائرات الإسرائيلية سلسلة غارات على مدينة الحزم، عاصمة محافظة الجوف الحدودية مع السعودية، مستهدفةً المجمع الحكومي ومبنى فرع البنك المركزي، إضافة إلى موقع سري تحت الأرض بين المبنيين يُعتقد أنه مركز عمليات تابع للجماعة.
كما طالت الغارات مناطق حصن مقهد والساقية والمحزمات في أطراف المدينة، وأظهرت صور تصاعد أعمدة الدخان الكثيف من المواقع المستهدفة.
وأكد مصدر محلي مسؤول أن الضربات أسفرت عن مقتل عدد من القيادات الحوثية البارزة، بينهم:
- يوسف الصارم، مدير جهاز “الأمن الوقائي” التابع للحوثيين (جهاز استخباراتي داخلي شديد السرية)،
- بسام المؤيد، قائد شرطة النجدة،
- نياز هواش، مدير فرع البنك المركزي بالجوف،
- عبده هفج، مدير مكتب محافظ الجوف ومسؤول العمليات بالمحافظة.
ولم يصدر تعليق رسمي من الحوثيين حول هذه الأسماء، إذ درجت الجماعة على التكتم على خسائرها البشرية في صفوف القيادات الأمنية والعسكرية.
خلفيات التصعيد الإسرائيلي: محاولة كسر هجمات الحوثيين
تأتي هذه الضربات الإسرائيلية بعد يوم واحد فقط من إعلان جماعة الحوثي تنفيذ هجمات “ناجحة” على أهداف في إيلات ومطار رامون والقدس المحتلة بطائرات مسيّرة وصواريخ بعيدة المدى، ضمن ما تصفه بردها على الإبادة الإسرائيلية المستمرة في غزة.
وفي أواخر أغسطس/آب، كانت إسرائيل قد اغتالت رئيس حكومة الحوثيين أحمد غالب الرهوي وعدداً من الوزراء في قصف طال العاصمة صنعاء، في مؤشر على تحوّل واضح في عقيدة الردع الإسرائيلية التي باتت ترى في الحوثيين تهديدًا استراتيجيًا مباشرا يجب تحييده بعمليات دقيقة.
هذا التصعيد يعكس رغبة إسرائيل في إضعاف البنية القيادية والعسكرية والإعلامية للجماعة، ومنعها من توسيع نطاق هجماتها البحرية التي تستهدف السفن المرتبطة بإسرائيل أو المتجهة إليها، والتي تسببت في تعطيل الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن ورفع تكاليف الشحن العالمي.
دور إماراتي خفي: استخبارات في خدمة الاحتلال
في سياق متصل، كشفت مصادر يمنية أن طائرات استطلاع مسيرة انطلقت من قواعد إماراتية في جنوب اليمن وشمال إريتريا قدّمت معلومات استخبارية دقيقة عن مواقع قيادات الحوثيين وتحركاتهم داخل صنعاء والجوف، واستخدمتها إسرائيل لتحديد بنك أهدافها الأخير.
وتُتهم الإمارات منذ سنوات بالعمل كـ”ذراع استخباراتية متقدمة” للغرب وإسرائيل في جنوب البحر الأحمر وباب المندب، عبر شبكات تجسس إلكترونية ورادارية في عدن والمكلا وجزيرة ميون وسقطرى، وهو ما يمنح تل أبيب قدرة شبه مباشرة على رصد تحركات الحوثيين وبنيتهم القيادية.
ويرى مراقبون أن أبوظبي تسعى من خلال هذا التعاون غير المعلن إلى تحقيق هدفين استراتيجيين: الأول هو تقديم نفسها كحليف أمني لا غنى عنه لإسرائيل والولايات المتحدة في البحر الأحمر، والثاني هو منع الحوثيين من التمدد نحو جنوب اليمن وتهديد نفوذها ومصالحها الاقتصادية والعسكرية هناك.
مأساة إنسانية مفتوحة وتصعيد إقليمي وشيك
تُهدد هذه الغارات بتدهور الوضع الإنساني الهش أصلًا في شمال اليمن، حيث يعيش ملايين السكان تحت خط الفقر ويعتمدون على المساعدات الإنسانية التي تتعطل الآن بسبب القصف وانعدام الأمن.
ويرى محللون أن الضربات الإسرائيلية الأخيرة قد تفتح الباب أمام جولة جديدة من التصعيد الإقليمي، خصوصًا إذا رد الحوثيون بضربات أوسع على أهداف إسرائيلية أو على الملاحة الدولية في البحر الأحمر، ما قد يضع المنطقة على حافة مواجهة بحرية مباشرة متعددة الأطراف.
وبينما لم تُعلن إسرائيل رسميًا مسؤوليتها الكاملة عن كل تفاصيل العملية، إلا أن توقيتها ورسائلها الميدانية تبدو واضحة: كسر شوكة الحوثيين بأي ثمن، حتى لو احترق شمال اليمن بالكامل.