في تطور مثير للقلق، كشف مصدر من داخل إحدى سفن أسطول الصمود العالمي، المتجه لكسر الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة، عن تحليق طيران مسيّر فوق الأسطول في الأجواء الدولية، وسط مخاوف متصاعدة من احتمال استهدافه. وقال المصدر الذي فضّل عدم الكشف عن اسمه، إنّ المسيّرات تحلق تحديدًا فوق سفينة “دير ياسين” (المعروفة سابقًا باسم مالي)، مشيرًا إلى حالة استنفار وترقّب تسود بين طاقم السفينة والناشطين على متنها.
هذا التطور يُعدّ الأول من نوعه منذ بدء رحلة الأسطول الحالية، ما يثير مخاوف حقوقية ودبلوماسية من نية إسرائيل إحباط المبادرة الإنسانية بالقوة، خاصة في ظل سابقة استهداف أساطيل بحرية حاولت كسر الحصار من قبل، أبرزها الهجوم الدموي على سفينة مرمرة التركية عام 2010 الذي أسفر عن مقتل عشرة ناشطين.

صقلية في قلب العاصفة.. اتهامات بتحويل الجزيرة إلى قاعدة للهجمات
تزامن تحليق المسيّرات مع وصول سفن الأسطول إلى مسافة 50 كيلومترًا من مرفأ بورتوبالو دي كابو باسيرو في جزيرة صقلية الإيطالية، ما سلط الضوء على الوضع الأمني في الجزيرة التي باتت تشكّل نقطة حساسة في مسار المبادرة. فقد شجبت النائبة الإيطالية المعارضة إيدا كارمينا، الوضع الراهن في صقلية، مؤكدة رفضها تحويل الجزيرة إلى “مركز حربي” أو “ممرّ لعمليات تهدد السكان المدنيين وتجعلهم شركاء في جرائم إنسانية بشعة”.
كارمينا وصفت ما يحدث بأنه “خطير للغاية”، مشيرة إلى تزامن ثلاث وقائع مريبة: اكتشاف حطام لطائرة إسرائيلية قبالة سواحل لامبيدوزا، وهبوط طائرة إسرائيلية في قاعدة سيغونيلا العسكرية، بالتزامن مع استعداد أسطول الصمود للانطلاق إلى غزة. وأكدت أن استخدام الأراضي الإيطالية كنقطة انطلاق محتملة لهجوم على مبادرة إنسانية دولية سيكون فضيحة مدوية، متهمة الحكومة الإيطالية بـ”إخفاء الحقيقة عن البرلمان أو حتى الكذب على المواطنين”.
كما لفتت إلى تقارير إعلامية عن نقل طائرات مسيّرة إسرائيلية إلى كل من مالطا وصقلية قبيل انطلاق الأسطول، محذّرة من أن تأكيد هذه المعلومات سيعني أن أوروبا تُستخدم بشكل مباشر في “عرقلة مبادرات الإغاثة الإنسانية لصالح آلة الحرب الإسرائيلية”.
أسطول الصمود.. قافلة إنسانية تحت التهديد
يتكوّن أسطول الصمود العالمي من مجموعة سفن صغيرة ومتوسطة الحجم، تحمل على متنها سياسيين ونشطاء حقوقيين من مختلف الجنسيات، إضافة إلى شحنات من المواد الغذائية والطبية المخصصة للمدنيين في غزة، الذين يعانون منذ أكثر من عام من حصار خانق ومجاعة متفاقمة وانهيار شبه كامل للبنية التحتية الصحية.
ويتحرك الأسطول حاليًا بسرعة 5.4 عقدة بحرية (قرابة 10 كيلومترات في الساعة)، ومن المتوقع وصوله إلى وجهته خلال خمس ساعات تقريبًا، إذا لم تعترضه أي هجمات أو عراقيل عسكرية. ويخشى الناشطون على متنه أن يكون تحليق المسيّرات خطوة تمهيدية لعملية عسكرية قد تشمل التشويش الإلكتروني أو الاستهداف المباشر، خصوصًا في ظل صمت الحكومات الأوروبية المعنية وعدم تقديمها أي ضمانات حماية حتى الآن.
هذه المخاوف ليست بلا أساس، إذ سبق أن تعرضت مبادرات بحرية مشابهة لمحاولات تعطيل واحتجاز عنيف من جانب البحرية الإسرائيلية في المياه الدولية، ما أثار إدانات دولية واسعة آنذاك، لكن من دون محاسبة حقيقية.
صمت دولي وتواطؤ محتمل
يثير الصمت الأوروبي الحالي تساؤلات حول مدى تواطؤ بعض الحكومات الغربية في عرقلة وصول المساعدات الإنسانية إلى غزة، خاصة في ظل وجود تحالفات أمنية وعسكرية وثيقة مع إسرائيل. فقاعدة سيغونيلا الإيطالية مثلًا، تُستخدم بانتظام في عمليات عسكرية أمريكية وإسرائيلية في الشرق الأوسط، بينما تسمح مالطا بتحليق الطائرات العسكرية في أجوائها ضمن اتفاقات دفاعية سرية.
ويحذر ناشطو الأسطول من أن أي اعتداء على القافلة سيشكّل سابقة خطيرة لشرعنة استهداف المبادرات الإنسانية الدولية، ويفتح الباب أمام إفلات إسرائيل من العقاب مجددًا، رغم الانتهاكات الموثقة في الحرب المستمرة على غزة.
خاتمة: بين الأمل والتهديد
بينما يواصل أسطول الصمود رحلته المحفوفة بالمخاطر نحو غزة، يتصاعد القلق من أن يحوّل الاحتلال المبادرة الإنسانية إلى هدف عسكري، مستغلًا تواطؤ بعض الدول الأوروبية وصمت المجتمع الدولي. وإذا لم تتحرك الأمم المتحدة والدول الراعية لحقوق الإنسان فورًا لتوفير حماية قانونية وعلنية للأسطول، فإن أي استهداف محتمل لن يكون مجرد اعتداء على سفن، بل هجوم على مبدأ إنساني أساسي: إيصال الإغاثة إلى المدنيين المحاصرين.
ورغم ذلك، يصرّ النشطاء على المضي قُدمًا، معتبرين أن مجرد اقترابهم من شواطئ غزة هو انتصار رمزي للعدالة الإنسانية في مواجهة الحصار والقتل والتجويع، حتى لو كان الثمن حياتهم.
اقرأ أيضًا : اتفاقية أمنية تقسم جنوب دمشق.. مخطط إسرائيلي جديد يهدد وحدة سوريا