كشف تقرير جديد صادر عن مؤسسة سيناء لحقوق الإنسان، بالتعاون مع وكالة “العمارة الجنائية” بجامعة غولدسميث في لندن، عن اكتشاف مقبرة جماعية في شمال سيناء تضم مئات الجثث لمدنيين قُتلوا على يد الجيش المصري خلال عقد كامل من النزاع مع المجموعات المسلحة المرتبطة بتنظيم الدولة الإسلامية.

المقبرة التي جرى تحديد موقعها جنوب مدينة العريش، لا تبعد سوى 350 مترًا عن أحد الطرق الرئيسية، وتقع بالقرب من مواقع عسكرية تضم قواعد وخنادق رملية كبيرة. إلا أن الطوق الأمني والعسكري المفروض على المنطقة منذ سنوات حال دون وصول المدنيين إليها. الباحثون أكدوا أن المقبرة أُخفيت عمدًا وسط وجود عسكري كثيف، بحيث يصعب على السكان أو الصحفيين رصدها.

خلال زيارتين للمكان في ديسمبر/كانون الأول 2023 ويناير/كانون الثاني 2024، عثر فريق المؤسسة على حفرتين كبيرتين، إحداهما لم يتمكنوا من دخولها لقربها من القوات، لكنهم رصدوا فيها بقايا هياكل بشرية ظاهرة على السطح. أما الحفرة الثانية، فقد كشفت عن مشهد صادم: جثث مدفونة على عمق لا يتجاوز 30 سنتيمترًا، وبعضها ملقى على السطح بعد أن جرفتها السيول. الفيديوهات التي سجلها الفريق تظهر بوضوح جماجم وعظامًا متناثرة، في مشهد وصفه أحد الباحثين بأنه “مروع لا يُنسى”، مضيفًا: “تجمدنا في أماكنناونحن نرى عشرات الجثث ملقاة بلا كرامة، هؤلاء كانوا أشخاصًا عاديين قد يكونوا ساروا بيننا يومًا ما”.

التحليل الجنائي الذي أجراه مركز “العمارة الجنائية” باستخدام صور الأقمار الصناعية والتسجيلات التي قدمتها مؤسسة سيناء، أكد وجود ما لا يقل عن 36 جمجمة بشرية يمكن تمييزها بالعين المجردة. لكن تقديرات المؤسسة تشير إلى أن عدد الضحايا قد يتجاوز 300 شخص، إذ لم يتمكن الفريق من توثيق كل ما في الحفرة بسبب ضيق الوقت والمخاطر الأمنية.

المؤسسة أشارت إلى أن مصادرها الميدانية، ومن بينهم عناصر سابقون في ميليشيات موالية للجيش، أكدوا أن هذه المقابر تضم مدنيين جرى اعتقالهم ثم إعدامهم خارج نطاق القانون، بعضهم قُتل بعد أيام من اعتقاله وآخرون بعد سنوات من اختفائهم. وأوضحت المصادر أن الضحايا لم يكونوا مقاتلين، بل مدنيين اتُهموا بالاشتباه في التعاون مع المسلحين دون أي دليل أو محاكمات عادلة.

أحد الشهود أكد أنه رأى بنفسه عملية إعدام جماعية لـ 15 شخصًا في المنطقة نفسها، وبعد قتلهم وضع الجنود أسلحة بجوار جثثهم، ثم خرج بيان عسكري في اليوم التالي يعلن “تصفية 15 إرهابيًا في اشتباك مسلح”، في تكرار للنمط الذي تتبعه السلطات المصرية لإخفاء جرائمها.

المؤسسة وصفت ما يجري بأنه “نمط ممنهج من القتل غير القانوني والاختفاء القسري والدفن السري للضحايا وسط إفلات تام من العقاب”. وقال المدير التنفيذي أحمد سالم: “هذا الاكتشاف يقدم دليلاً نادرًا وموثقًا على جرائم الجيش المصري في شمال سيناء. نحن أمام مقابر جماعية لمدنيين، دُفنوا بلا احترام ولا حتى بحد أدنى من الإجراءات المتعارف عليها”.

الجدير بالذكر أن الجثث التي تم العثور عليها وُجدت بملابسها المدنية، بعضها معصوب العينين، ولم يُعثر على أي علامات لزي عسكري أو معدات قتال. هذا يعزز الرواية التي تقول إنهم لم يكونوا مقاتلين، بل أُعدموا تعسفيًا.

إلى جانب الجانب الميداني، يقدّم التقرير شهادات إنسانية مؤلمة. إحدى السيدات روت كيف اعتُقل زوجها مع والده وإخوته في حملة مداهمات عام 2016، ومنذ تسع سنوات لم تعرف الأسرة عنهم شيئًا. قالت: “عشنا في خوف دائم، تسع سنوات دون خبر، كل يوم ننتظر، وكل بيان عسكري كنت أخشى أن أرى أسماءهم ضمن المقتولين”. المرأة أوضحت أن عائلتها فقدت معيلها بالكامل، وأن النساء اضطررن إلى إعالة الأطفال عبر الخَبز وبيعه محليًا.

ابنها الذي وُلد بعد اعتقال والده لم يعرف والده إلا من صورة قديمة. قالت الأم باكية: “لم تمر ليلة واحدة خلال هذه السنوات إلا ونمت ودموعي تنزل، لم يكن هناك يوم بلا قهر”.

منظمات حقوقية دولية اتهمت السلطات المصرية مرارًا بارتكاب انتهاكات واسعة في سيناء، بما في ذلك التهجير القسري لأكثر من 150 ألف مواطن من السكان الأصليين، لكنها لم تعترف يومًا بسقوط ضحايا مدنيين خلال حربها مع الجماعات المسلحة بين 2013 و2022.

هذا الاكتشاف، الذي يوثّق حجم الانتهاكات في سيناء، يفتح الباب أمام مطالبات جديدة بتحقيق دولي مستقل، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم التي ارتُكبت ضد المدنيين بعيدًا عن أي رقابة أو مساءلة.