البيان الأخير الذي حمل توقيع السعودية وفرنسا كشف تناقضًا صارخًا لا يخفى على أي قارئ منصف. ففي البند الثامن، يُشيد الطرفان بسياسة “سلاح واحد ودولة واحدة” التي ترفعها السلطة الفلسطينية شعارًا، ليطالبا عمليًا حركة حماس والفصائل المقاومة بتسليم سلاحها. ثم يأتي البند التاسع ليؤكد أن الدولة الفلسطينية المستقبلية “لا تنوي أن تكون مسلحة”، على لسان محمود عباس نفسه.

إنه خطاب يُفرغ فكرة الدولة من مضمونها، ويحوّلها إلى كيان منزوع الدسم، عاجز عن الدفاع عن نفسه أو ردع أي عدوان.

دولة بلا سلاح كيان بلا سيادة

السيادة في القانون الدولي تُقاس بقدرة الدولة على بسط سلطتها على أرضها وحماية حدودها ومواطنيها. لكن البيان السعودي–الفرنسي يطرح تصورًا مقلوبًا: دولة بلا جيش في منطقة تُعتبر من أكثر بقاع الأرض اشتعالًا.

فكيف يمكن لدولة فلسطينية أن تولد وهي محرومة من أبسط عناصر الحماية؟ أليس ذلك وصفة جاهزة لإبقاءها تحت رحمة الاحتلال الإسرائيلي، الذي يمتلك أحد أعتى الجيوش وأكثرها بطشًا في المنطقة؟

اللافت أن البيان لا يكتفي بالدعوة إلى “دولة غير مسلحة”، بل يضع ذلك في إطار دعم “الوحدة الفلسطينية” نفسها. وكأن الوحدة لا تتحقق إلا عبر نزع المقاومة وتجريد غزة من سلاحها.

إنها محاولة مكشوفة لشرعنة الرواية الإسرائيلية التي ترى في أي سلاح فلسطيني تهديدًا، بينما تُعتبر ترسانة إسرائيل النووية “حقًا مشروعًا في الدفاع عن النفس”.

محمود عباس: التزامات تتحول إلى قيود

حين يشيد البيان بـ”الالتزامات التاريخية” لعباس، بما فيها نبذ العنف، فهو يكرّس واقعًا أليمًا: أن السلطة الفلسطينية تحوّلت منذ أوسلو إلى جهاز إداري بلا أنياب، يعتمد على التنسيق الأمني أكثر من اعتماده على حماية الفلسطينيين.

تصريح عباس بأن الدولة “لا تنوي أن تكون مسلحة” لم يكن يومًا تعبيرًا عن رؤية وطنية مستقلة، بل عن ضغوط دولية وإسرائيلية تُمارس عليه ليكون الشرطي المحلي لمصالح الاحتلال.

الدور السعودي: من رعاية المقاومة إلى رعاية التقييد

المفارقة أن السعودية، التي طالما قدّمت نفسها كراعٍ للقضية الفلسطينية، أصبحت اليوم تُبارك مشروعًا يهدف إلى إنتاج دولة مقيدة السيادة. من مبادرة بيروت 2002 إلى بيانات اليوم، يتضح أن الخطاب السعودي تحوّل من الدفاع عن الحقوق الفلسطينية إلى المزايدة بالتهدئة والحياد.

هذا التحوّل ينسجم مع مسار التطبيع المتسارع في المنطقة، حيث يُعاد تشكيل الرواية الرسمية لتصبح “السلام مقابل نزع السلاح”، بدلًا من “السلام مقابل الأرض”.

فرنسا: ازدواجية خطاب الحريات

أما فرنسا، فهي التي لا تتوقف عن إلقاء المحاضرات حول “قيم الجمهورية وحقوق الإنسان”، لكنها حين يتعلق الأمر بفلسطين، تُروّج لصيغة دولة لا تختلف كثيرًا عن حكم ذاتي موسّع تحت الاحتلال. ازدواجية باريس لا تخطئها العين: دعم غير مشروط لإسرائيل في عدوانها، وتشدّق بدولة فلسطينية لا يُسمح لها بامتلاك حتى الحد الأدنى من وسائل الردع.

مقاومة بلا سلاح؟ عبث المعادلة

يطلب البيان من حماس والفصائل أن تسلّم سلاحها من أجل “الوحدة”. لكن الوحدة المفروضة على جثة المقاومة ليست وحدة، بل استسلام.

فالتجارب التاريخية تثبت أن أي حركة تحرر لا يمكن أن تنتصر أو تحمي نفسها بلا سلاح. من الجزائر إلى فيتنام، لم يكن الاستقلال هدية، بل نتيجة مقاومة مسلحة دفعت المحتل إلى التراجع.

دولة شكلية على مقاس الاحتلال

البيان السعودي–الفرنسي يقدّم وصفة خطيرة: دولة فلسطينية شكلية، بلا سلاح، بلا سيادة، تُدار بروح الوصاية الدولية والإسرائيلية.

إنها ليست “دولة” بالمعنى المتعارف عليه، بل كيان منزوع القوة، يتحوّل إلى رمز ورقي في الأمم المتحدة، بينما الواقع على الأرض يبقى محكومًا بالاستيطان والجدار والاحتلال.

في النهاية، التناقض الذي حمله البيان ليس زلّة لغوية، بل انعكاس لمشروع سياسي متكامل: تطبيع الضعف الفلسطيني وشرعنة التفوق الإسرائيلي، على حساب حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره والدفاع عن وجوده.