أعلنت وكالة أسوشيتد برس أن شركة التطوير العقاري دار جلوبال تخطط لإطلاق مشروع ضخم يحمل اسم “ترامب بلازا” في مدينة جدة، بتكلفة تصل إلى مليار دولار. المشروع يأتي بعد أشهر قليلة فقط من الإعلان عن “برج ترامب” في جدة في ديسمبر الماضي، ما يعني أن التعاون مع “منظمة ترامب” لم يكن صفقة واحدة، بل جزء من شراكة متكررة تفتح الباب أمام نفوذ عائلة ترامب في السوق السعودية.

في الخطاب الرسمي، يُقدَّم المشروع باعتباره استثمارًا عقاريًا فاخرًا يضيف قيمة للمدينة الساحلية. لكن في الواقع، يكشف هذا التعاون حجم التداخل بين المصالح المالية والسياسية، حيث يستخدم النظام السعودي مليارات الدولارات من أموال الشعب لشراء نفوذ سياسي في الولايات المتحدة، تحديدًا مع شبكة ترامب التي ما تزال تتمتع بثقل واسع داخل الحزب الجمهوري.

جدة تُباع بالقطعة

إطلاق مشروعين باسم ترامب في جدة خلال أقل من عام ليس مجرد صدفة، بل يعكس اتجاهًا جديدًا لتحويل المدينة إلى منصة صفقات عقارية مسيّسة. دار جلوبال ليست سوى واجهة، بينما المستفيد الحقيقي هو منظمة ترامب التي تعيد إحياء علامتها التجارية بأموال خليجية.

المفارقة أن هذه المشاريع تُسوَّق باعتبارها “إنجازات اقتصادية”، في وقت تعاني فيه المملكة من عجز مالي متفاقم بلغ 5.3% من الناتج المحلي لعام 2025، وفق تقديرات وزارة المالية. في ظل هذا النزيف، تُصرف المليارات على مشاريع فاخرة يستفيد منها قلة من الأثرياء والأجانب، بينما يزداد الضغط على المواطن السعودي عبر ضرائب ورسوم جديدة وغياب الخدمات الأساسية.

شراء ولاء واشنطن بالدولار العقاري

الأبعاد السياسية للمشروع أوضح من أن تُخفى. النظام السعودي الذي يواجه انتقادات دولية لجرائمه الحقوقية والاقتصادية، يسعى لضمان حماية سياسية أمريكية. منظمة ترامب، التي لا تفصل بين المال والسياسة، تُعد قناة مثالية لشراء هذا النفوذ. فالمليار دولار ليست مجرد تكلفة بناء، بل ثمن حماية سياسية مستقبلية إذا عاد ترامب أو الجمهوريون إلى البيت الأبيض.

هذه ليست المرة الأولى. تاريخيًا، استخدم النظام السعودي صفقات السلاح وصفقات الطاقة كوسيلة لشراء الدعم الأمريكي. الجديد اليوم أن العقار الفاخر أصبح جزءًا من هذه المعادلة: أبراج تحمل اسم ترامب في جدة مقابل صمت سياسي عن القمع والاستبداد داخل المملكة.

اقتصاد فاخر وشعب مسحوق

التناقض صارخ بين البذخ العقاري وبين واقع الشعب. في حين تتباهى السلطات بإطلاق “ترامب بلازا”، يعيش ملايين السعوديين تحت وطأة البطالة والغلاء وغياب العدالة الاجتماعية. لا أحد من أبناء الطبقة المتوسطة أو الفقيرة سيكون قادرًا على شراء شقة في هذه الأبراج الفاخرة، التي تستهدف في الأساس المستثمرين الأجانب والأثرياء الباحثين عن واجهة بحرية تحمل اسم ترامب.

وبينما يُمنح الغرب هذه الامتيازات، يُحرم العمال المهاجرون الذين يبنون هذه الأبراج من أبسط حقوقهم. تقارير حقوقية وثّقت حالات استغلال ممنهج في مشاريع البناء الكبرى، من اقتطاع الأجور إلى ظروف العمل غير الإنسانية. بمعنى آخر، “ترامب بلازا” سيُبنى على أكتاف المهاجرين الذين يُعاملون كعبيد، ليصبح رمزًا جديدًا لتزاوج القمع الداخلي بالتبعية للخارج.

العجز يتسع والمشاريع تتكاثر

من الناحية الاقتصادية، مشاريع مثل “ترامب بلازا” لا تساهم في معالجة العجز المالي أو خلق اقتصاد إنتاجي. على العكس، هي مشاريع تستهلك السيولة وتزيد من اعتماد المملكة على التدفقات المالية الأجنبية قصيرة الأجل.

الاقتصاد السعودي بحاجة إلى استثمارات في البنية التحتية الحقيقية، الصحة، التعليم، والصناعات المنتجة، لا إلى أبراج فاخرة تُباع للأثرياء الأجانب. لكن ابن سلمان يفضل هذه المشاريع لأنها تحقق هدفين: تلميع صورته كقائد “انفتاح” أمام الإعلام الغربي، وضمان شبكة علاقات مع شخصيات سياسية مؤثرة في واشنطن.

الفساد يُسوَّق كتنمية

التعاون مع منظمة ترامب يكشف نمطًا متكررًا: كل مشروع ضخم يُسوَّق كإنجاز وطني، بينما هو في الحقيقة صفقة فاسدة موجهة لمصالح ضيقة. دار جلوبال قد تقدم نفسها كمطور عقاري عالمي، لكن الواقع أن هذه المشاريع تقوم على استغلال موارد البلاد لتقوية نفوذ ابن سلمان وتوسيع دائرة حلفائه الدوليين.

وإذا كان النظام قد استغل سابقًا عائدات النفط لشراء الصمت الدولي، فإنه اليوم يستغل أموال الشعب لبناء أبراج فاخرة تحمل اسم عائلة أمريكية متورطة في قضايا فساد سياسي ومالي. النتيجة واحدة: موارد السعودية تُستنزف، بينما النظام يراكم المزيد من التبعية والفضائح.

ترامب بلازا مليار دولار جديدة لشراء صمت واشنطن

المشروع ليس استثمارًا عقاريًا، بل صفقة سياسية مقنّعة. ابن سلمان يواصل بيع أجزاء من جدة لمؤسسات غربية مقابل شرعية زائفة، فيما الاقتصاد يترنح تحت العجز والديون، والشعب يُحرم من أبسط حقوقه. الحقيقة التي لا يمكن إنكارها: “ترامب بلازا” ليس رمزًا للتنمية، بل شاهد جديد على تحالف المال والسلطة والقمع، حيث تُباع المدن السعودية قطعة قطعة مقابل حماية سياسية مؤقتة لنظام آيل للسقوط.