في مشهدٍ يختصر واقع الإبادة المستمرة في غزة، واصل جيش الاحتلال الإسرائيلي عدوانه الواسع على القطاع المحاصر، ضاربًا عرض الحائط بدعوة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لوقف القصف “فورًا”. فخلال الساعات الماضية، استشهد 12 فلسطينيا في غارات متفرقة استهدفت منازل ومناطق مدنية، في تصعيدٍ جديد يكرّس سياسة العقاب الجماعي التي تتبعها إسرائيل منذ أكثر من عامين. وبينما تتحدث واشنطن عن “خطة سلام” تشمل انسحابًا تدريجيًا من القطاع، يواصل الاحتلال سلوكه الدموي، في مفارقةٍ تكشف زيف الوعود السياسية وازدواجية الخطاب الأميركي.

مجازر متواصلة في غزة وخان يونس والوسطى

أفادت مصادر طبية في مستشفيات غزة بأن 12 فلسطينيا استشهدوا خلال الساعات الماضية، بينهم 4 في مدينة غزة و7 في خان يونس جنوب القطاع، إضافة إلى شهيد في المنطقة الوسطى. الغارات الإسرائيلية استهدفت أحياء مكتظة بالسكان، من بينها حي الزيتون وحي الصبرة في مدينة غزة، حيث تم تفجير عربة مفخخة من قبل قوات الاحتلال، ما أدى إلى انهيار عدد من المنازل المجاورة.

وفي خان يونس، شنت الطائرات الحربية سلسلة غارات عنيفة على محيط المستشفى الأوروبي وحي بني سهيلا، مما أسفر عن مقتل عائلات بأكملها، بينهم أطفال ونساء. ووفق الدفاع المدني الفلسطيني، فإن عددًا كبيرًا من الضحايا لا يزالون تحت الأنقاض بسبب نقص المعدات اللازمة لعمليات الإنقاذ، بعد أن دمّرت الغارات الطرق المؤدية إلى مواقع القصف.

من جانبها، أكدت وزارة الصحة أن المستشفيات تعمل بأقل من 30% من قدرتها التشغيلية، وسط نقص حاد في الوقود والمستلزمات الطبية، محذّرة من “كارثة إنسانية متجددة” في حال استمر التصعيد.

الاحتلال يضرب عرض الحائط بدعوة ترامب

يأتي هذا التصعيد في وقتٍ كان يُفترض أن يشهد انفراجة سياسية، عقب إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن “خطة سلام” تتضمن وقف إطلاق النار، وإطلاق سراح الأسرى، وانسحابًا إسرائيليًا تدريجيًا من غزة. إلا أن ما يجري على الأرض يُظهر عكس ذلك تمامًا، فالقصف لم يتوقف، والدمار يتسع، والضحايا يتساقطون يوميًا.

الاحتلال –الذي يتلقى دعماً عسكريًا واستخباراتيًا مستمرًا من الولايات المتحدة– لم يعبأ بنداءات البيت الأبيض، ولا بالمفاوضات الجارية في شرم الشيخ، والتي تدخل يومها الثاني وسط تشاؤم كبير من الوفود المشاركة. مصادر دبلوماسية تحدثت عن “انعدام الثقة” بين الأطراف، مؤكدة أن إسرائيل تحاول فرض واقع جديد على الأرض قبل أي اتفاق محتمل.

ويرى محللون أن موقف ترامب يعكس محاولة لتلميع صورة إدارته أمام الرأي العام الدولي بعد عامين من التواطؤ الكامل مع الاحتلال، وأن حديثه عن “خطة سلام” ليس سوى محاولة لاحتواء الغضب الشعبي العالمي من جرائم الإبادة في غزة.

غزة بين الموت والجوع.. أرقام تتحدث عن الكارثة

منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تواصل إسرائيل حرب الإبادة ضد سكان قطاع غزة، ما أسفر –بحسب وزارة الصحة الفلسطينية– عن استشهاد 67,173 شخصًا، وإصابة 169,780 آخرين، معظمهم من الأطفال والنساء، فضلًا عن وفاة 460 شخصًا بسبب الجوع، بينهم 154 طفلاً. هذه الأرقام لا تشمل آلاف المفقودين تحت الأنقاض أو في المقابر الجماعية التي تُكتشف تباعًا في شمال القطاع.

وتُظهر هذه الإحصاءات حجم المأساة الإنسانية غير المسبوقة التي يعيشها الفلسطينيون، في ظل صمت دولي وتواطؤ إقليمي، فيما تواصل إسرائيل استخدام سياسة التجويع الممنهجة، ومنع دخول الوقود والمساعدات إلى شمال غزة.

الأمم المتحدة حذّرت مرارًا من أن القطاع يواجه خطر الإبادة الجماعية المستمرة، بينما طالبت منظمات حقوق الإنسان بفتح تحقيقات دولية عاجلة في الانتهاكات الجسيمة، التي تشمل استهداف المدنيين والصحفيين والمنشآت الطبية.

ازدواجية الغرب وتواطؤ واشنطن

رغم فداحة الجرائم، ما زالت واشنطن تمنح الاحتلال الغطاء السياسي والعسكري اللازم لمواصلة حربه. ففي الوقت الذي يتحدث فيه ترامب عن “وقف القصف”، تواصل وزارة الدفاع الأميركية تزويد إسرائيل بالذخائر الذكية والطائرات المسيّرة، وتؤكد التزامها “بحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”.

هذه الازدواجية لم تعد تخفى على أحد، إذ يرى مراقبون أن الإدارة الأميركية تسعى إلى تحقيق توازن بين صورتها كـ”وسيط سلام” أمام العالم، وبين الحفاظ على تحالفها الإستراتيجي مع تل أبيب. وبهذا المعنى، تتحول الدعوات الأميركية إلى مجرد غطاء دبلوماسي يتيح لإسرائيل مزيدًا من الوقت لتصفية ما تبقّى من غزة.

وفي المقابل، تتصاعد الانتقادات من داخل الولايات المتحدة نفسها، حيث بدأت شخصيات سياسية وحقوقية أميركية تطالب بوقف الدعم العسكري لإسرائيل، وفتح تحقيقات حول جرائم الحرب في غزة.

بين نيران الإبادة وسراب “السلام”

تؤكد التطورات الميدانية في غزة أن الاحتلال ماضٍ في جرائمه، غير آبهٍ بخطط ترامب ولا بمفاوضات شرم الشيخ. فكل حديث عن “سلام” يتهاوى أمام مشاهد الجثث المتفحمة والدمار الهائل، في وقتٍ تُحوّل فيه إسرائيل القطاع إلى أنقاض، وتفرض على سكانه موتًا بطيئًا.

وبينما تُرفع في المحافل الدولية شعارات “وقف النار” و”إعادة الإعمار”، يعيش الفلسطينيون واقعًا آخر عنوانه الجوع والدمار، في حربٍ تحولت إلى اختبارٍ أخلاقي للعالم بأسره: هل سيستمر في الصمت، أم يختار أخيرًا الوقوف إلى جانب الحقيقة والعدالة؟

اقرأ أيضًأ : بالتزامن مع ذكرى الطوفان.. والمقاومة في غزة تعود لتقصف مستوطنة نتيف هعسراه