في مشهد يحمل رمزية بالغة، أعلنت المقاومة الفلسطينية في غزة صباح الثلاثاء قصف مستوطنة “نتيف هعسراه” شمال القطاع، بالتزامن مع الذكرى الثانية لعملية “طوفان الأقصى” في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، التي فجّرت الحرب الأوسع في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي منذ عقود. وبرغم مرور عامين من القصف والتدمير والإبادة الجماعية التي شنّها الاحتلال على القطاع، تؤكد هذه العملية أن المقاومة ما زالت حاضرة ميدانياً، وأن غزة – رغم الحصار والموت والجوع – لم تُهزم.

رمزية التوقيت ورسالة النار

قال جيش الاحتلال في بيان مقتضب إن “صفارات الإنذار دوت في مستوطنة نتيف هعسراه قرب الحدود الشمالية للقطاع، وتم رصد مقذوف أُطلق من شمال غزة يُرجح أنه سقط في المنطقة”، مضيفاً أنه “لم يُبلغ عن وقوع إصابات”. إلا أن دوي الإنذار في المستوطنات المحاذية لغزة، صباح ذكرى السابع من أكتوبر، لم يكن حدثاً عادياً. فالتوقيت اختير بعناية، ليقول إن اليد التي قصفت الاحتلال قبل عامين ما زالت قادرة على إطلاق النار مجدداً، رغم كل الخراب الذي خلّفته الحرب.

تأتي هذه العملية بعد شهور من محاولات إسرائيل الادعاء بأن “المقاومة دُمّرت كلياً” وأن قدراتها الصاروخية أُنهكت. إلا أن المقذوف الصباحي من شمال غزة يحمل رسالة مزدوجة: الأولى سياسية تقول إن المقاومة ما زالت قادرة على المبادرة والتحدي في ذكرى الحرب، والثانية عسكرية تُظهر أن بنية المقاومة – وإن تضررت – ما زالت تعمل في العمق رغم القصف المستمر.

عامان من الإبادة والصمود

منذ السابع من أكتوبر 2023، ارتكبت إسرائيل – بدعم مباشر من الولايات المتحدة – واحدة من أبشع الجرائم ضد الإنسانية في العصر الحديث، إذ استهدفت المدنيين والبنى التحتية والمستشفيات والمدارس بلا تمييز، وحوّلت غزة إلى أرض خراب. وتشير الإحصاءات إلى أن الإبادة خلّفت أكثر من 67,160 شهيداً و169,679 جريحاً، معظمهم من النساء والأطفال، فيما أزهقت المجاعة الناتجة عن الحصار أرواح 460 فلسطينياً بينهم 154 طفلاً.

ورغم هذا الحجم الهائل من الدمار والموت، ظلّت المقاومة قادرة على الصمود. فبينما كانت طائرات الاحتلال تدك القطاع بلا توقف، واصلت الفصائل تطوير وسائلها القتالية، واستطاعت على فترات متباعدة إطلاق صواريخ وقذائف باتجاه المستوطنات والآليات العسكرية، في تأكيد على أن “الردع الإسرائيلي” الذي طالما تباهت به تل أبيب قد تآكل تدريجياً أمام إرادة البقاء الفلسطينية.

بين القتل والتجويع: إرادة لا تنكسر

لم تكتف إسرائيل بالقصف، بل استخدمت الحصار كسلاح قاتل، فأغلقت المعابر ومنعت دخول الغذاء والدواء والوقود، ما أدى إلى انهيار المنظومة الصحية واندلاع المجاعة في شمال القطاع. وتحوّلت المستشفيات إلى مقابر، والمدارس إلى ملاجئ مكتظة بالنازحين. ورغم أن محكمة العدل الدولية أصدرت أكثر من أمر بوقف الإبادة وتسهيل المساعدات، تجاهلت تل أبيب كل القرارات، واستمرت في سياساتها الممنهجة للتطهير العرقي.

ومع ذلك، ظلّت غزة تقاوم. ففي الوقت الذي كانت فيه الصور المروعة للأطفال الجوعى تتصدر الشاشات، واصلت المقاومة عملياتها من الأنفاق، واحتفظت بخلاياها التنظيمية، لتثبت أن “التهجير والتجويع لا يُطفئ الروح”. حتى سكان القطاع المدنيين الذين فقدوا بيوتهم وأحباءهم ظلوا يؤكدون أن “الحياة في غزة مقاومة”.

الذكرى الثانية: بين الماضي والمستقبل

تحمل ذكرى السابع من أكتوبر هذا العام أبعاداً تتجاوز مجرد استعادة لحظة الانفجار الأولى للحرب. فهي تذكّر بأن مشروع الإبادة الإسرائيلي لم يحقق أهدافه: لم يُنهِ المقاومة، ولم يفرض الاستسلام، ولم يُعد الجنود الأسرى. في المقابل، تحولت “غزة الجريحة” إلى رمز عالمي للصمود، وبرزت من بين الركام لتُلهم الشعوب المقهورة في العالم.

ومع تصاعد الدعوات الدولية لمحاسبة إسرائيل على جرائم الحرب، خصوصاً بعد فشلها في الالتزام بأوامر محكمة العدل الدولية، تبدو المقاومة اليوم أكثر إصراراً على مواصلة الكفاح السياسي والميداني. فبينما يراهن الاحتلال على الزمن لتآكل روح المقاومة، يراهن الفلسطينيون على الذاكرة والإيمان والحق الذي لا يُمحى.

خاتمة: النار التي لا تنطفئ

إن سقوط مقذوف واحد من شمال غزة صباح الذكرى الثانية لطوفان الأقصى، قد يبدو في الظاهر فعلاً رمزياً صغيراً، لكنه في جوهره إعلان بقاء. فبعد عامين من الإبادة، لا تزال المقاومة تملك القدرة على الفعل، ولا تزال غزة قادرة على إرسال رسائلها بلغة البارود. لقد فشلت إسرائيل في كسر الإرادة الفلسطينية، وبدت كأنها تخوض حرباً ضد فكرة لا يمكن قتلها: فكرة الحرية.

بهذه العملية، أكدت غزة أن النار التي اشتعلت في أكتوبر 2023 لم تنطفئ، بل تحولت إلى جذوة باقية في قلوب أبنائها، تنتظر اللحظة المناسبة لتشتعل من جديد، معلنة أن المقاومة – مهما طال الحصار واتسع الدمار – ما زالت هنا، تحرس ذاكرة الشهداء وتصنع مستقبل الأحرار.

اقرأ أيضًا : ازدواجية المعايير البريطانية: حرية التعبير تُقمع عندما تتحدث باسم فلسطين