بعد أكثر من عقد على واحدة من أكثر القضايا حساسية في تاريخ تونس الحديث، أسدلت محكمة الاستئناف المختصة في قضايا الإرهاب الستار على ملف اغتيال السياسي اليساري شكري بلعيد، لتصدر أحكامها التي تراوحت بين الإعدام والسجن وعدم سماع الدعوى.
لكن الأهم في هذه الأحكام، وفق ما جاء في بيان حركة النهضة، أنها أثبتت براءة الحزب ورئيسه راشد الغنوشي من جميع التهم التي لاحقتهما منذ عام 2013، حين تم توظيف الجريمة سياسيا لتشويه الحركة الإسلامية وإقصائها من المشهد الديمقراطي.
النهضة أكدت في بيانها أن خلوّ لائحة الأحكام النهائية من أي إدانة لمنتسبيها، مهما كان موقعهم، “يثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن ما رُوّج طوال 12 عامًا لم يكن سوى حملة استئصالية موجهة للنيل من رصيدها الأخلاقي والسياسي”، مشددة على أن القضاء قال كلمته النهائية في وقت تقف فيه الحركة في موقع المعارضة، وتتعرض رموزها، وفي مقدمتهم الغنوشي، للمحاكمات والسجن في عهد قيس سعيّد.

النهضة: توظيف قضائي وإعلامي لإقصاء الخصوم
منذ اغتيال شكري بلعيد في فبراير 2013، تبنت أطراف سياسية وإعلامية معادية للإسلاميين خطابًا يتهم حركة النهضة بالضلوع في الجريمة، رغم غياب أي دليل قضائي أو مادي.
لكن النهضة رأت أن القضية كانت أداة في “مشروع الاستئصال”، استُخدمت لتشويهها أمام الرأي العام ودفعها إلى خسارة شرعيتها السياسية بعد فوزها في انتخابات ما بعد الثورة.
وجاء في بيان الحركة:
“لقد ثبت أن القضية قد طال أمد نشرها عمداً من قبل القائمين بالحق الشخصي الذين سعوا إلى توجيه الرأي العام ضد خصم سياسي فشلوا في مواجهته سياسياً وشعبياً، وليس بحثاً عن الحقيقة أو تحقيق العدالة”.
بهذا المعنى، لم تكن محاكمة النهضة قانونية بقدر ما كانت سياسية، هدفها تعطيل المسار الديمقراطي وتبرير الانقلاب اللاحق الذي قاده الرئيس قيس سعيّد في يوليو 2021.
فالقضية، كما تقول الحركة، تحولت إلى “سيفٍ مسلط” على رقاب الإسلاميين، يُستدعى كلما احتاج النظام أو خصوم النهضة إلى خلق شماعة تُبرّر الإقصاء أو القمع.
تفاصيل الأحكام: سقوط سردية “الاغتيال السياسي”
الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الإرهاب لدى محكمة الاستئناف أصدرت أحكامها الثلاثاء الماضي بحق 23 متهماً.
وقد تراوحت الأحكام بين عدم سماع الدعوى والإعدام شنقًا والسجن مدى الحياة، دون أن تتضمن أي إدانة لأي عضو في حركة النهضة.
فقد حكمت المحكمة بالإعدام على كل من محمد العوادي وعز الدين عبد اللاوي، إضافة إلى أحكام بالسجن المؤبد على أربعة آخرين، و37 عامًا لمتهم صومالي، بينما قضت بعدم سماع الدعوى بحق تسعة متهمين.
هذه الأحكام وضعت حدًا لأطول حملة تشويه عرفتها البلاد ضد طرف سياسي بعينه، وأكدت أن الجريمة ارتكبتها أطراف إرهابية منفصلة لا تمتّ بصلة تنظيمية أو فكرية لحركة النهضة.
ووفق خبراء قانونيين، فإن صدور الأحكام النهائية دون أي إشارة إلى النهضة أو الغنوشي، بعد أكثر من عقد من التحقيقات، “يُعد إدانة سياسية مضادة لكل من روّج لتورط الحركة، ودليلًا على أن توجيه الاتهامات كان جزءًا من صراع على السلطة أكثر من كونه سعيًا للحقيقة”.
الغنوشي بين البراءة القضائية والقمع السياسي
المفارقة الكبرى أن الحكم الذي يبرئ الغنوشي من تهمة الاغتيال، صدر بينما يقبع الرجل في السجن على خلفيات سياسية أخرى، في وقت يواصل فيه الرئيس قيس سعيّد إحكام قبضته على الدولة والقضاء والإعلام.
فقيس سعيّد الذي أطاح بالبرلمان في يوليو 2021 واعتقل عشرات المعارضين، بمن فيهم رئيس حركة النهضة، لم يتردد في استخدام القضاء أداة لتصفية خصومه، بينما يُقدّم نفسه حاميًا للعدالة ومحاربًا للفساد.
لكن هذا الحكم الأخير يضرب سردية النظام في الصميم، إذ يُظهر أن القضاء حين يتحرر من الضغط السياسي، يمكن أن ينصف من ظُلموا، حتى في أكثر الملفات حساسية.
وفي هذا السياق، رأت شخصيات حقوقية تونسية أن “براءة النهضة في ملف بلعيد تُسقط الحجة التي بنى عليها قيس سعيّد خطابه ضد المعارضة”، وتعيد النقاش إلى جوهر الأزمة الحقيقية: دولة تُحكم بقرارات فردية، وقضاء يُستعمل لتصفية الحسابات السياسية.
تونس بين عدالة مؤجلة وديمقراطية مصادرة
اغتيال شكري بلعيد عام 2013 كان حدثًا مفصليًا في تاريخ تونس، إذ مثّل بداية الانقسام الحاد بين التيارات السياسية، وفتح الباب أمام تدخلات خارجية وإعادة تشكيل ميزان القوى داخل الدولة.
واليوم، بعد 12 عامًا من المماطلة، يكشف الحكم القضائي أن ما عاشته تونس لم يكن مجرد تحقيق جنائي معقد، بل صراع بين مشروعين: مشروع ديمقراطي تعددي تمثله النهضة، ومشروع سلطوي يسعى إلى إقصائها وإعادة الدولة إلى ما قبل الثورة.
براءة النهضة في هذه القضية لا تمحو الجراح التي خلفها الاغتيال، لكنها تعيد الاعتبار للعدالة المغيّبة، وتُعرّي في الوقت نفسه واقع القمع الذي تعيشه تونس في عهد قيس سعيّد، حيث يُلاحق المعارضون وتُغلق مقرات الأحزاب ويُزجّ بالصحفيين في السجون.
فبينما تُثبت المحاكم براءة النهضة من دم بلعيد، يواصل النظام تجريمها سياسياً، ويُبقي زعيمها راشد الغنوشي خلف القضبان، في مشهد يعكس مفارقة العدالة في زمن الاستبداد.
وهكذا، فإن القضية التي استُعملت لعقد من الزمان لتشويه النهضة، تحولت اليوم إلى دليل على براءتها، وإدانة أخلاقية لمن حاولوا تشويهها باسم “العدالة” التي اغتيلت مرتين: مرة برصاص السياسة، ومرة بقلم القاضي.
اقرأ أيضًا : من مكة إلى نهاريا: التطبيع السعودي يتجاوز السياسة إلى الانحطاط الرمزي