كشفت صحيفة الغارديان البريطانية فضيحة جديدة تكشف عمق التواطؤ الغربي مع الاحتلال الإسرائيلي. الوثائق الصادرة عن وزارة الخارجية البريطانية أوضحت أن بعض الموظفين ضغطوا من أجل تنفيذ رحلة رسمية إلى إسرائيل رغم قرار وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي تعليق المحادثات التجارية معها بعد المجازر في غزة وانتقاده العلني للحكومة الإسرائيلية بسبب الجرائم التي ارتكبت بحق المدنيين الفلسطينيين.

المراسلات الداخلية أظهرت أن السفارة البريطانية في تل أبيب أبلغت الوزارة بأن رجال الأعمال في إسرائيل غاضبون من قرار التعليق، وأن إلغاء الزيارة سيعتبر رسالة سلبية. أحد الموظفين كتب في مذكرة موجهة إلى لامي وإلى وزير الدولة فالكونر أن الزيارة ستسمح للورد إيان أوستن، المبعوث التجاري البريطاني لإسرائيل، بتوضيح أن العلاقات التجارية لم تتغير وأن بريطانيا لا تنوي قطع التعامل مع الإسرائيليين. المذكرة انتهت بتوصية صريحة بالمضي في الرحلة. الوزير لم يطّلع على المذكرة ولم يوافق عليها، إلا أن الزيارة نُفذت على أي حال، في تجاوز واضح لقرارات الحكومة نفسها.

اللورد أوستن زار إسرائيل في أواخر مايو، واجتمع مع مسؤولي شركة الأسلحة الإسرائيلية رافائيل، الشركة التي تصنع منظومة القبة الحديدية وصواريخ سبايك. هذه الصواريخ نفسها استخدمها جيش الاحتلال ضد الفلسطينيين وضد قوافل الإغاثة في غزة. تقارير من بي بي سي وذا تايمز أكدت أن صواريخ رافائيل استخدمت في هجوم نفذته طائرة مسيّرة إسرائيلية في أبريل 2024، أدى إلى مقتل سبعة من العاملين في منظمة وورلد سنترال كيتشن، بينهم ثلاثة بريطانيين. الاجتماع مع رافائيل لم يكن صدفة، فقد أعد له موظفو الخارجية مسبقًا، وجهزوا اللورد أوستن بخطوط جاهزة للرد على الأسئلة المتعلقة بتراخيص تصدير السلاح والمحادثات التجارية. الوثائق التي كشفت عنها الغارديان أكدت أن الحديث تناول فرص التصدير والبحث المشترك والعلاقات السياسية بين لندن وتل أبيب، رغم قرار التعليق المعلن.

الوزارة حاولت لاحقًا التخفيف من الفضيحة، وقالت إن أوستن لم يلتقِ أي مسؤولين من الحكومة الإسرائيلية. لكن الصور التي خرجت من تل أبيب كشفت كذب هذه الرواية، إذ ظهر أوستن بجانب مسؤولة السياسات التجارية الإسرائيلية لينا زايغر، كما حضر مناسبة في السفارة البريطانية ألقى خلالها وزير التعليم الإسرائيلي يوآف كيش كلمة تحدث فيها عن الشراكة الاستراتيجية والدائمة بين إسرائيل والمملكة المتحدة. المناسبة كانت حفلًا للاحتفال بعيد ميلاد الملك تشارلز، وحضرها أعضاء من الكنيست ومسؤولون حكوميون. صورة أخرى أظهرت أوستن إلى جانب يفقات ألون بيريل، المسؤولة عن مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة بين البلدين.

الفضيحة أطلقت موجة تساؤلات جديدة حول العلاقات البريطانية الإسرائيلية. بينما أعلن الوزير تعليق المحادثات ردًا على جرائم الاحتلال في غزة، كان موظفو وزارته يسعون لتثبيت العلاقات التجارية والعسكرية مع الشركات الإسرائيلية المتورطة في تصنيع أدوات القتل التي تستخدم ضد الفلسطينيين. الوثائق التي أفرجت عنها الغارديان شملت أجزاء محجوبة، ما يشير إلى وجود تفاصيل أكثر حساسية تحاول الخارجية إخفاءها عن الرأي العام البريطاني.

الرحلة التي تم تنفيذها رغم الرفض السياسي الرسمي تكشف أن ما يسمى بوقف التعاون مع الاحتلال لم يكن سوى خطوة شكلية، وأن التنسيق الحقيقي استمر في الخفاء مع الشركات المسؤولة عن تطوير الأسلحة المستخدمة في قتل المدنيين في غزة. صور الأطفال المنتزعين من تحت الركام لم توقف الصفقات ولا اللقاءات. أصوات النساء اللواتي فقدن أسرهن لم تغيّر في الحسابات التجارية شيئًا. الدم الفلسطيني ما زال يُقايض بالمصالح، والبريطانيون الذين قُتلوا في قافلة الإغاثة لم يدفعوا بلادهم لمراجعة شراكتها مع من قتلهم.

الجرائم الإسرائيلية في غزة تجاوزت حدود الحرب لتصبح إبادة منظمة، آلاف الجثث المكدسة في المخيمات، الجوع، الحصار، تدمير المستشفيات، كل ذلك أمام أعين العالم، ومع ذلك تستمر العلاقات السياسية والاقتصادية وكأن شيئًا لم يحدث. الحكومات الغربية تتحدث عن القانون الدولي وتواصل في الوقت نفسه دعمها للجيش الذي يمارس الإبادة في غزة. الوثائق البريطانية كشفت الوجه الحقيقي لهذا التناقض، حيث لا صوت يعلو فوق صوت السلاح والمصالح.

هذه الحادثة لا تتعلق برحلة بروتوكولية أو بخطأ إداري، بل تكشف عن منظومة كاملة تبرر الجرائم وتدعم الاحتلال تحت غطاء العلاقات التجارية. حكومة تتحدث عن حقوق الإنسان وفي الوقت نفسه تفتح أبوابها لشركات السلاح الإسرائيلية، وسفارة تحتفل بالشراكة بينما تُقصف المخيمات الفلسطينية. العالم الغربي يواصل التواطؤ، والدبلوماسية البريطانية تقدم نموذجًا واضحًا لهذا النفاق السياسي.

الشعب الفلسطيني يواجه الإبادة وحده، والوثائق التي خرجت من لندن تؤكد أن من يدّعي دعم القانون الدولي هو نفسه من يغذّي آلة القتل بالسلاح والتبرير. ما يجري لم يعد يمكن وصفه بالتحالف السياسي، بل هو شراكة على الدم، وتغطية رسمية لجريمة مستمرة منذ عقود.