تشهد محافظة قابس الواقعة جنوبي شرقي تونس موجة احتجاجات متصاعدة منذ أيام، على خلفية تفاقم أزمة بيئية خانقة تسببت في حالات اختناق متكررة بين السكان، وسط اتهامات للمجمّع الكيميائي التونسي بالتسبب في التلوث الصناعي الذي يغطي سماء المدينة. ومع تصاعد الغضب الشعبي، ظهرت على مواقع التواصل الاجتماعي روايات متباينة حول طريقة تعامل السلطات مع الأزمة، لتتحول القضية البيئية إلى ساحة جدل سياسي بين أنصار الرئيس قيس سعيّد ومعارضيه.
ففي الوقت الذي يتحدث فيه السكان عن “كارثة بيئية وصحية”، يرى مراقبون أن تعامل السلطة مع الأزمة يعكس نهجًا متكررًا للرئيس قيس سعيّد في مواجهة الاحتجاجات بالعنف والتشكيك، بدلًا من الاعتراف بالأزمة أو محاسبة المسؤولين عنها. ويقول ناشطون من قابس إن “الغازات المنبعثة من المجمع الكيميائي حولت المدينة إلى غرفة اختناق جماعية”، في حين اكتفت السلطات بتصريحات عامة عن “تحسين الوضع البيئي قريبًا”، دون اتخاذ إجراءات ملموسة.

فوضى الروايات وادعاءات زيارة سعيّد
أثارت مواقع التواصل موجة من التضليل عقب انتشار مقاطع مصورة قيل إنها توثّق زيارة مفاجئة للرئيس قيس سعيّد إلى قابس، حيث ظهر يتحدث مع مواطنين حول “الحلول القادمة”. وقدّمت تلك الحسابات الفيديو على أنه حديث العهد، ما أعطى الانطباع بأن سعيّد يتابع الأزمة ميدانيًا.
لكن التحقق الذي أجراه فريق “الجزيرة تحقق” أظهر أن الفيديو يعود إلى ديسمبر/كانون الأول 2024، خلال جولة للرئيس في عدة محافظات بمناسبة ذكرى الثورة، وأنه لا علاقة له بالأحداث الجارية. كما تبين أن الصور المتداولة التي يظهر فيها سعيّد وسط مواطنين “يبدي تعاطفًا” معهم تعود إلى مايو/أيار 2024 خلال زيارته لمنطقة الدهماني بمحافظة الكاف شمال غربي البلاد، ما يفضح محاولات تلميع صورة السلطة عبر محتوى قديم أُعيد تداوله لإظهار تفاعل رئاسي وهمي.
الرواية الصينية: وعود بلا أثر
من بين الادعاءات المنتشرة أيضًا، أن سعيّد وقّع اتفاقًا مع شركة صينية لمعالجة التلوث الصناعي في قابس ووضع خطة لتطهير المنطقة، وهو ما اعتبره أنصاره “انتصارًا بيئيًا”. غير أن التحقيقات الصحفية أكدت عدم صدور أي قرار رسمي بهذا الشأن. البيان الوحيد الذي استندت إليه تلك الادعاءات كان لقاءً روتينيًا بين وزير التجهيز والسفير الصيني لمناقشة مشاريع عامة، دون توقيع أي اتفاق.
هذه الادعاءات –التي تتكرر في أزمات مشابهة– تعكس رغبة السلطة في إيهام الرأي العام بوجود حلول “جذرية”، بينما تظل الأوضاع البيئية والصحية على حالها. وهو ما يراه نشطاء “استهلاكًا سياسيًا للأزمة”، في ظل فشل حكومي متراكم في معالجة التلوث الذي يهدد حياة عشرات الآلاف في قابس والمناطق المجاورة.
اتهامات بالتخوين لتبرير القمع
مع تصاعد الاحتجاجات، لجأت السلطة إلى خطاب التخوين والاتهام بالعمالة، إذ صرح الناطق الرسمي باسم الحرس الوطني حسام الدين الجبابلي بأن “قُصّرا استُغلوا لتأليب الوضع مقابل أموال ومواد مخدّرة”. إلا أن التحقق الميداني والصحفي لم يجد أي دليل على صحة تلك المزاعم. بل إن التغطيات المصورة أظهرت أن المتظاهرين من سكان قابس أنفسهم، وأن تحركاتهم كانت سلمية، ترفع مطالب بيئية وصحية لا سياسية.
لكن الرواية الرسمية لم تتوقف عند هذا الحد، إذ تداولت صفحات موالية للنظام مقطعًا مصورًا قيل إنه يُظهر “أجانب يوزعون أموالًا على المحتجين”، ليتضح لاحقًا أن الفيديو يعود إلى مصر عام 2013 ولا علاقة له بتونس. ومع ذلك، استُخدم لتبرير قمع المظاهرات وتشويه صورتها في الإعلام الرسمي. ويُظهر هذا النمط –بحسب محللين– استراتيجية متكررة لدى نظام قيس سعيّد في “إعادة تدوير” روايات التضليل لتبرير الاعتقالات والتدخلات الأمنية.
الحقائق الصادمة من داخل المؤسسات الرسمية
المفارقة أن المجمّع الكيميائي التونسي نفسه أقرّ في تقرير رسمي نُشر في يوليو/تموز 2024 بأنه يتسبب بتلوث يمتد إلى محافظات مجاورة مثل سيدي بوزيد والمظيلة. كما حذرت الوكالة الوطنية لحماية المحيط من انبعاث غازات خانقة في منطقة غنوش بقابس، مشيرة إلى أن الوضع يشكل تهديدًا مباشرًا لصحة السكان. وأكد أطباء من المدينة أن عدد المصابين بأمراض الجهاز التنفسي تضاعف خلال العامين الأخيرين.
هذه الحقائق الرسمية تكشف التناقض الصارخ بين خطاب السلطة ومحاولاتها نفي الأزمة من جهة، وإقرار مؤسسات الدولة بوجود تلوث خطير من جهة أخرى. كما تطرح تساؤلات حول سبب غياب أي خطة حكومية جادة رغم أن المجمع الكيميائي مملوك للدولة، مما يجعلها المسؤول الأول عن الكارثة البيئية.
إضراب عام ورسائل احتجاجية
ردًا على تجاهل السلطات، أعلن الاتحاد العام التونسي للشغل تنفيذ إضراب عام في محافظة قابس احتجاجًا على استمرار الانبعاثات السامة من وحدات المجمع الكيميائي، وللمطالبة بخطة إنقاذ عاجلة. واعتبر الاتحاد أن ما يحدث “جريمة بيئية متعمدة”، محذرًا من “تحويل الجنوب إلى مقبرة صناعية”. وقد انضمت منظمات بيئية وحقوقية عدة إلى الإضراب، مؤكدة أن “التنفس في قابس أصبح ترفًا”.
بين التضليل والقمع.. أزمة تتجاوز البيئة
تبدو أزمة قابس أبعد من مجرد تلوث صناعي، فهي تكشف عن عمق الأزمة السياسية والاجتماعية في تونس تحت حكم قيس سعيّد، حيث يجري التعامل مع أي احتجاج جماهيري بوصفه “تهديدًا للدولة”. وبدلًا من احتواء الأزمة بالحوار، تواصل السلطة استخدام أدواتها الأمنية والإعلامية لتشويه المطالبين بحقوقهم الأساسية.
إن قمع سعيّد لاحتجاجات قابس ليس حدثًا معزولًا، بل حلقة جديدة في مسار سياسي يتسم بإغلاق المجال العام وتكميم الأصوات المستقلة. وبينما يختنق سكان قابس فعليًا من الغازات السامة، تختنق تونس سياسيًا من خطاب السلطة الواحد الذي لا يحتمل الاختلاف ولا يعترف بالمسؤولية.
اقرأ أيضًا : غزة تحت القصف مجدداً.. وناشطون: نتنياهو يهرب من المحاكمة بالنار والدم