بينما ينشغل رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بلقاءاته التنسيقية مع قادة الاحتلال وملاحقة المقاومين، يواجه المزارعون الفلسطينيون وحدهم موسماً جديداً من الإرهاب الاستيطاني في الضفة الغربية، حيث تحولت حقول الزيتون إلى ساحات حرب مفتوحة بين المستوطنين المدججين بالسلاح والمزارعين العزل الذين يحاولون حماية أرضهم ورزقهم. وفي ظل صمت رسمي فلسطيني وتواطؤ دولي، تصاعدت هجمات المستوطنين خلال الأيام الأخيرة بشكل غير مسبوق، لتكشف مجدداً عن فشل السلطة في حماية أبناء شعبها وتركها الميدان مشرّعاً أمام عنف المستوطنين وجيش الاحتلال.

الضفة تشتعل من الخليل إلى جنين
شهدت محافظات الضفة الغربية، اليوم السبت، سلسلة هجمات منسقة شنّها المستوطنون تحت حماية الجيش الإسرائيلي، طالت مزارعين أثناء قطف الزيتون ومنازل لعائلات فلسطينية. ففي محافظة الخليل، اقتحم مستوطنون منطقة القرينات ببلدة صوريف شمال المدينة، وأشعلوا النار في أحد المنازل وأطلقوا النار تجاه السكان، فيما وقفت قوات الاحتلال تحمي المعتدين وتمنع سيارات الإطفاء من الوصول إلى المكان. كما اعتدى مستوطنون على متضامن أجنبي في قرية سوسيا بمسافر يطا، وهو ما يعكس سياسة ممنهجة لطرد المتضامنين الدوليين الذين يوثّقون جرائم الاستيطان.
وفي نابلس، اندلعت مواجهات عنيفة بعد اقتحام قوات الاحتلال بلدة بيتا جنوبي المدينة، حيث أطلقت القوات الرصاص الحي وقنابل الغاز لتأمين اقتحام المستوطنين للمنطقة. أما في بيت لحم، فقد هاجم عشرات المستوطنين مزارعين في قرية المنية جنوب شرقي المدينة، أثناء عملهم في قطف الزيتون، مما أدى إلى إصابة شاب بجروح متوسطة، في مشهد يعكس استهداف الاحتلال والمستوطنين للزراعة الفلسطينية، التي تمثل ركيزة الصمود الوطني في وجه التوسع الاستيطاني.
وفي رام الله، استُخدمت الكلاب البوليسية لترويع المزارعين الفلسطينيين في بلدة دير نظام شمال غرب المحافظة، في هجوم أثار الرعب بين العائلات التي كانت تعمل في جني محصول الزيتون. كما لم تسلم القدس المحتلة من الإرهاب الاستيطاني، إذ أقدم مستوطنون على إشعال النار في أشجار الزيتون بتجمع العراعرة في سهل جبع شمال المدينة، ما أدى إلى تدمير عشرات الأشجار وإلحاق خسائر فادحة بالمزارعين.
أما في جنين، فقد نفذت قوات الاحتلال حملة اعتقالات استهدفت مطارداً فلسطينياً وثلاثة شبان في بلدة مركة، ضمن سياسة الترهيب والتفريغ البشري المتواصلة في شمال الضفة الغربية.
استراتيجية الأرض المحروقة برعاية الاحتلال
هذه الاعتداءات لا تأتي بمعزل عن سياسة الاحتلال الممنهجة التي تهدف إلى خنق الفلسطينيين ودفعهم قسراً لترك أراضيهم. فوفق هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية، شهد النصف الأول من الشهر الجاري أكثر من 1042 اعتداءً على الفلسطينيين من جيش الاحتلال والمستوطنين، شملت هدم منازل ومنشآت زراعية واعتقال مئات المواطنين، إلى جانب تخريب مزارع الزيتون وإتلاف الممتلكات.
منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، ومع انشغال العالم بالحرب على غزة، صعّد المستوطنون اعتداءاتهم في الضفة بصورة غير مسبوقة، حيث وثّقت الهيئة أكثر من 38 ألف اعتداء خلال عامي الحرب، منها 1115 عملية هدم وجرائم أدت إلى استشهاد 1016 فلسطينياً. هذه الأرقام تعكس حجم الانفلات الاستيطاني الذي يجري برعاية وحماية جيش الاحتلال، وتحت مظلة قانونية يشرعنها الكنيست الإسرائيلي بتواطؤ الحكومة اليمينية المتطرفة بقيادة نتنياهو وبن غفير وسموتريتش.
خيانة عباس وصمت السلطة
في ظل هذه الجرائم اليومية، تلتزم سلطة محمود عباس الصمت المطبق، مكتفية بتصريحات باهتة عن “التنسيق الأمني”، بينما تُترك القرى الفلسطينية لمصيرها أمام اعتداءات المستوطنين. بل إن الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة، التي يُفترض أن تحمي المواطنين، تواصل ملاحقة المقاومين الذين يدافعون عن أرضهم في نابلس وجنين وطولكرم، في مشهد يثير سخطاً واسعاً بين الفلسطينيين.
يتهم ناشطون في الضفة عباس بـ”التواطؤ الواضح” مع الاحتلال من خلال استمرار التنسيق الأمني، وتجاهله لمطالب وقف التنسيق ومحاسبة المستوطنين على جرائمهم. فالسلطة، التي يفترض أن تمثل الفلسطينيين، تحولت إلى عبء على مشروع التحرر الوطني، إذ تسهم سياساتها في إضعاف المقاومة الشعبية والزراعية، وترك الميدان فارغاً أمام آلة الاستيطان.
وتشير مصادر فلسطينية إلى أن الاجتماعات المتكررة بين مسؤولين أمنيين من الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، تأتي في سياق تفاهمات لضمان “استقرار الضفة” عبر قمع أي تحركات مقاومة، مقابل تسهيلات مالية محدودة للسلطة، في ما يصفه الفلسطينيون بأنه “بيع للأرض مقابل بقاء الكرسي”.
الزيتون.. رمز المقاومة المستهدف
لم يكن اختيار موسم الزيتون صدفة في اعتداءات المستوطنين، فالزيتون يمثل رمزاً للهوية الفلسطينية، وجزءاً من معركة البقاء على الأرض. ومع كل موسم، يشن المستوطنون هجماتهم لإرغام المزارعين على ترك أراضيهم، في خطة تهدف إلى توسيع البؤر الاستيطانية وربطها بالمستوطنات الكبرى.
رغم ذلك، يصر الفلسطينيون على مواصلة الحصاد تحت الرصاص والحجارة. فكل شجرة تُقطف هي رسالة تحدٍّ وصمود، وكل مزارع يخرج إلى أرضه رغم الخطر، يؤكد أن معركة الوجود لن تُحسم إلا بالإصرار الشعبي على البقاء.
خاتمة: سلطة العجز وواقع الاستباحة
تتواصل اعتداءات المستوطنين يوماً بعد يوم، لتكشف عمق الفشل الرسمي الفلسطيني أمام آلة الاحتلال، وواقع العجز الذي صنعته سلطة التنسيق الأمني بقيادة عباس. فبينما تُروى الأرض بدماء المزارعين، يواصل قادة السلطة التفاوض على فتات صلاحيات، تاركين الضفة الغربية نهباً للمستوطنين والاحتلال.
في هذا المشهد القاتم، يصبح السؤال الملحّ: من سيحمي الأرض حين تصبح السلطة جزءاً من منظومة القمع؟
الجواب يتجلى في صمود المزارعين، الذين يحوّلون كل موسم زيتون إلى انتفاضة خضراء في وجه الاستيطان، مهما خانت القيادة أو صمت العالم.
اقرأ أيضًا : تحقيق إسباني في تواطؤ شركة أوروبية مع جرائم الإبادة في غزة: حين يتلطخ الصلب بدماء المدنيين