تتواصل المعارك في السودان بوتيرة متصاعدة مع اتساع رقعة هجمات قوات الدعم السريع جنوب كردفان، في وقت توعد فيه حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي بمواصلة القتال حتى “استعادة كل شبر من الأراضي السودانية”، بينما تتزايد الاتهامات للنظام الإماراتي بالوقوف وراء تمدد تلك القوات ودعمها بالمال والسلاح ضمن مشروع إقليمي يهدف إلى تفكيك السودان وإضعاف جيشه الوطني.

قصف يطال المدنيين والمنظمات الإنسانية

قالت شبكة أطباء السودان إن 12 شخصًا على الأقل قُتلوا، وأصيب آخرون، جراء استهداف قوات الدعم السريع مخيمات للنازحين في ولاية جنوب كردفان. وأوضحت الشبكة أن من بين القتلى 5 أطفال لقوا حتفهم إثر قصف بطائرات مسيرة على مقر منظمة الهجرة الدولية بمدينة كادوقلي، في هجوم وصفته بأنه انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني.

كما استهدفت طائرات الدعم السريع مخيمًا للنازحين في منطقة العباسية تقلي، ما أدى إلى مقتل 7 مدنيين بينهم نساء وأطفال. وأشارت تقارير ميدانية إلى أن الغارات تسببت في حالة ذعر واسعة، وأجبرت مئات العائلات على النزوح مجددًا وسط نقص حاد في الغذاء والمياه والرعاية الصحية.

ويرى مراقبون أن هذا التصعيد المتزامن مع سقوط مدينة الفاشر بيد الدعم السريع، يعكس خطة منظمة للسيطرة على كامل إقليم كردفان، تمهيدًا لإعادة رسم خريطة النفوذ غرب السودان، بدعم خارجي واضح، وفي مقدمة المتهمين النظام الإماراتي الذي تشير تقارير أممية إلى تزويده قوات الدعم السريع بمركبات عسكرية وذخائر عبر مسارات لوجستية سرية.

نزوح جماعي وتفاقم الأزمة الإنسانية

من جانبه، قال وائل محمد شريف، مفوض العون الإنساني بالولاية الشمالية، إن السلطات تتوقع وصول أعداد كبيرة من النازحين خلال الأيام المقبلة، بعد سقوط الفاشر في أيدي الدعم السريع. وأكد في مؤتمر صحفي أن المدينة تستعد لاستقبال موجات جديدة من النازحين الذين يفرون من دارفور وكردفان، حيث وصلت بالفعل أكثر من أربعة آلاف أسرة إلى مدينة الدبة.

وتحذر منظمات الأمم المتحدة من أن النزوح الجماعي من الفاشر وطويلة وكادوقلي قد يؤدي إلى أزمة إنسانية غير مسبوقة، مع ارتفاع عدد الفارين داخليًا إلى ما يتجاوز عشرة ملايين سوداني منذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023.

وبينما تحاول السلطات المحلية تأمين المأوى والغذاء، تشير شهادات ميدانية إلى أن الدعم السريع يتبع سياسة “الأرض المحروقة”، عبر استهداف البنية التحتية المدنية والمراكز الطبية لإجبار السكان على الرحيل وتفريغ المناطق من أهلها، ما يرقى إلى جرائم حرب وفق توصيف القانون الدولي.

الجيش يرد بضربات جوية ومناوي يتوعد

في المقابل، أعلنت القوات المسلحة السودانية تنفيذ ضربات جوية مكثفة استهدفت مواقع لقوات الدعم السريع في شمال وغرب كردفان. وقالت مصادر عسكرية إن العمليات حققت “إصابات دقيقة”، في محاولة لوقف تمدد المليشيا التي باتت تسيطر على معظم مدن دارفور.

أما حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي، فتوعد في تصريحاته بمواصلة القتال حتى “تحقيق العدالة واستعادة الأرض”، مؤكداً أن الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الدعم السريع بحق سكان الفاشر لن تمر دون حساب. ونشر مناوي مقطع فيديو قال إنه يُظهر اعترافات من القائد الثاني لقوات الدعم السريع عبد الرحيم دقلو، تثبت تورطه في “جرائم القتل والتطهير العرقي”.

وشدد مناوي على أن دارفور “لن تركع أمام مليشيا مدعومة من الخارج”، في إشارة إلى الدعم المالي والعسكري الذي تتلقاه قوات الدعم السريع من الإمارات. ويرى مراقبون أن تصعيد مناوي يأتي في إطار مسعى لتوحيد الصفوف العسكرية والسياسية في الإقليم ضد النفوذ الإماراتي المتنامي عبر هذه القوات.

الإمارات في دائرة الاتهام

تزايدت خلال الأيام الماضية الاتهامات الرسمية والشعبية للإمارات بالضلوع في تمويل وتسليح قوات الدعم السريع، بعد ظهور مركبات مدرعة من نوع “نمر عجمان” وذخائر إماراتية الصنع في ساحة المعارك. وسبق أن أدانت منظمات حقوقية دولية، منها “هيومن رايتس ووتش”، تورط أبوظبي في دعم الحرب بالوكالة في السودان.

ويرى محللون أن الإمارات تسعى من خلال هذا الدعم لتأمين نفوذها الاقتصادي في مناطق الذهب والنفط في دارفور وكردفان، إضافة إلى محاولة إنشاء ممرات لوجستية نحو البحر الأحمر، وهو ما تعتبره الخرطوم تهديدًا مباشرًا لسيادتها ووحدتها الوطنية.

نفي متكرر وتضارب الروايات

في المقابل، نفى علاء الدين نُقُد، الناطق باسم “تحالف السودان التأسيسي” الذي تقوده قوات الدعم السريع، الاتهامات الموجهة إليهم بارتكاب جرائم إبادة في الفاشر، معتبرًا أنها “مزاعم سياسية مغرضة”. وقال في مؤتمر صحفي بنيالا إن التقارير الأممية “مبنية على شهادات غير موثوقة”، في محاولة للتقليل من حجم الانتهاكات التي وثقتها منظمات إنسانية مستقلة.

لكن نفي نُقُد لم يلقَ صدى لدى المجتمع الدولي، خاصة بعد تقارير الأمم المتحدة التي تحدثت عن “مجازر مروعة” شملت إعدامات ميدانية واغتصابات ونهبًا واسعًا، دفعت مجلس حقوق الإنسان للمطالبة بتحقيق دولي عاجل.

حرب بلا نهاية

تستمر الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ منتصف أبريل/نيسان 2023، دون نجاح أي وساطة إقليمية أو دولية في إنهائها، فيما يتفاقم الوضع الإنساني بشكل مأساوي. ومع سقوط الفاشر واتساع الهجمات جنوب كردفان، يبدو أن البلاد تتجه إلى مرحلة أكثر دموية من الصراع، وسط تواطؤ دولي وصمت عربي، تتصدره أبوظبي المتهمة بتأجيج الحرب وتمويلها بالمال والسلاح.

وفي ظل غياب أفق سياسي للحل، تبقى دارفور وكردفان مسرحًا مفتوحًا للقتل والدمار، فيما يواصل المدنيون دفع الثمن الأكبر لحربٍ تُدار بأيدٍ سودانية وتمويلٍ إماراتي.

اقرأ أيضًا : بأمر من الإمارات.. كيف تُواجه الفاشر كارثة إنسانية تهدد أطفالها بعد سقوطها بيد “الدعم السريع”؟