في الساعات الأولى من فجر الاثنين، استيقظ سكان قطاع غزة مجددًا على أصوات الانفجارات العنيفة والغارات الجوية الإسرائيلية التي طالت مدن رفح وخان يونس ومدينة غزة، في مشهد يؤكد أن الهدوء الذي يفترض أن يسود منذ اتفاق وقف إطلاق النار المعلن في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول الماضي ليس سوى واجهة زائفة تخفي وراءها سياسة ممنهجة من العدوان والإجرام. فقد نفذ جيش الاحتلال قصفًا جويًا ومدفعيًا متزامنًا مع عمليات نسف للمنازل، ما أعاد إلى الأذهان مشاهد الحرب المدمرة التي شهدها القطاع خلال العامين الماضيين، وسط صمت دولي يرقى إلى التواطؤ.

غارات مكثفة على رفح وخان يونس وغزة

بحسب مراسلي الجزيرة ووسائل الإعلام الفلسطينية، شنّت طائرات الاحتلال الحربية غارات عنيفة على مناطق متفرقة من مدينة رفح وشرق خان يونس جنوب القطاع، تزامنًا مع قصف مدفعي استهدف الأحياء الشرقية لمدينة غزة. كما نفذت طائرات استطلاع إسرائيلية من طراز “كواد كابتر” عمليات إطلاق نار على شرق حي التفاح، في حين قصفت المدفعية الإسرائيلية أطراف حي الشجاعية والمناطق المحيطة بدير البلح وسط القطاع.

ورغم الحديث المتكرر عن “الخط الأصفر” الذي يفترض أن يشكّل حدود انسحاب الجيش الإسرائيلي وفق المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار، فإن الوقائع على الأرض تُظهر أن الاحتلال لا يزال يحتل ما يقارب نصف مساحة قطاع غزة، مستخدمًا هذه المناطق كقواعد لعملياته الجوية والمدفعية اليومية.

إستراتيجية الدمار الشامل: النسف كأداة عسكرية

في موازاة الغارات الجوية، نفذت قوات الاحتلال عمليات نسف ممنهجة للمنازل في شرق خان يونس وحي التفاح بمدينة غزة. وأكدت مصادر ميدانية أن وحدات هندسية إسرائيلية زرعت عبوات ناسفة داخل منازل سكنية وأبنية مدمرة جزئيًا ثم فجرتها عن بعد، في تكتيك بات جزءًا من إستراتيجية الاحتلال لإحداث دمار شامل وتهجير ما تبقى من السكان.

وقالت قناة الأقصى إن القوات الإسرائيلية فجرت عربة مفخخة في حي التفاح، ما أدى إلى دمار واسع في المنطقة، بينما أُطلقت قنابل مضيئة في سماء بيت لاهيا شمال القطاع، في مؤشر على استعداد جيش الاحتلال لجولات جديدة من القصف المدفعي. هذه العمليات تأتي ضمن ما يصفه مراقبون بـ”سياسة الأرض المحروقة” التي تسعى إسرائيل من خلالها إلى تدمير البنية المدنية للقطاع بشكل كامل بهدف منع عودة الحياة الطبيعية.

194 خرقًا لاتفاق وقف إطلاق النار

في تقرير صدر أمس الأحد، أعلن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أن جيش الاحتلال ارتكب 194 خرقًا لاتفاق وقف إطلاق النار منذ دخوله حيز التنفيذ، شملت غارات جوية وعمليات قصف مدفعي وتوغلات محدودة. وأوضح التقرير أن أبرز هذه الخروقات كانت الغارات الواسعة التي نُفذت الأسبوع الماضي وأدت إلى استشهاد 100 فلسطيني، بينهم 35 طفلًا، في مشهد ينسف الادعاءات الإسرائيلية بالالتزام بالاتفاق.

ويشير مراقبون إلى أن إسرائيل تستخدم مبدأ “الضربات الوقائية” لتبرير انتهاكاتها، معتبرة أن كل تحرك فلسطيني “تهديدًا أمنيًا”، رغم أن معظم القصف يستهدف أحياء مدنية لا وجود فيها لأي نشاط عسكري.

إجرام متواصل ومعاناة إنسانية بلا نهاية

العدوان الإسرائيلي المستمر يفاقم الأوضاع الإنسانية الكارثية في القطاع، حيث يعيش أكثر من مليوني فلسطيني تحت حصار خانق منذ سنوات. وتقول وزارة الصحة في غزة إن حصيلة العدوان منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 ارتفعت إلى 68,865 شهيدًا و170,670 مصابًا، معظمهم من النساء والأطفال.

ويعاني القطاع من نقص حاد في الوقود والأدوية ومياه الشرب، فيما تواصل إسرائيل إغلاق المعابر ومنع دخول المساعدات إلا بكميات محدودة، الأمر الذي جعل من كل يوم يمر على سكان غزة معركة للبقاء على قيد الحياة.

صمت دولي وموقف أممي خجول

ورغم وضوح الأدلة على استمرار الانتهاكات، فإن الموقف الدولي ما يزال ضعيفًا ومقتصرًا على بيانات إدانة شكلية لا تُجبر إسرائيل على الالتزام بأي تعهدات. الأمم المتحدة اكتفت بالتحذير من “احتمال انهيار اتفاق الهدنة”، دون اتخاذ أي خطوات عملية أو فرض رقابة دولية على وقف إطلاق النار. ويُفسر كثير من المراقبين هذا الصمت بأنه ضوء أخضر غير معلن لإسرائيل لتواصل جرائمها دون عقاب.

أما الولايات المتحدة، الحليف الرئيسي لتل أبيب، فما تزال تتذرع بـ”حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”، متجاهلة أن الضحايا هم في غالبيتهم من المدنيين.

خاتمة: هدنة على الورق وحرب على الأرض

تؤكد التطورات الميدانية في غزة أن الاحتلال الإسرائيلي لا يزال ماضياً في ارتكاب جرائم حرب ممنهجة رغم اتفاق وقف إطلاق النار، مستخدمًا القصف والنسف كأدوات لتركيع المدنيين وكسر إرادة المقاومة. ومع غياب المحاسبة الدولية واستمرار الصمت العربي، يبقى الفلسطينيون وحدهم في مواجهة آلة الحرب التي لا تعرف سوى لغة الدم والدمار.

ورغم الأوجاع، فإن أصوات الغزيين ما زالت تعلو من تحت الركام مطالبةً بالحرية والعدالة، فيما يبدو أن “الهدنة” الحالية ليست سوى فصل جديد من حرب طويلة تُدار على حساب أرواح الأبرياء، في انتظار لحظة يفيق فيها العالم من صمته ليقول أخيرًا: كفى.

اقرأ أيضًَا : بن زايد في مرمى الاتهام.. الدعم السريع يوسع هجماته بجنوب كردفان ومناوي يتوعد بالثأر للفاشر