سعد الجبري لم يكن مسؤولاً أمنياً عادياً في بنية السلطة السعودية، بل كان أحد أكثر الرجال اطلاعاً على الأسرار الاستراتيجية للمملكة، والعقل الذي أدار مليارات الدولارات المخصّصة للاستخبارات، ومكافحة الإرهاب، والعلاقات الأمنية مع القوى الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة. نفوذه لم يكن داخلياً فقط، بل عابراً للحدود، فقد شكّل على مدى سنوات قناة الاتصال الأعمق بين الرياض وأجهزة الأمن الغربية، وامتلك بحكم موقعه تفاصيل العمليات، والميزانيات السرية، وأسماء الفاعلين، وخيوط التحالفات الحساسة التي لا يُسمح عادة بخروجها من الغرف المغلقة. لكن هذا الرجل الذي كان ذات يوم العمود الفقري للمنظومة الأمنية السعودية، يعيش اليوم في منفى اختياري في كندا، مطارداً بدعاوى الفساد، وتحت وطأة صراع مفتوح مع ولي العهد محمد بن سلمان، الذي انتقل من التحالف معه إلى اعتباره عدواً يجب عزله، تجريده من النفوذ، ثم محو أثره، سياسياً ومعنوياً وربما جسدياً أيضاً، بحسب ما يؤكد الجبري نفسه.

 

بعد مغادرته السعودية، لم يخرج الجبري بصمت، بل كشف أن ما يجري ضده ليس مسار مساءلة قانونية، بل مشروع انتقام سياسي مكتمل الأركان، بدأ – وفق روايته – بمحاولة اغتياله عام 2018 حين أُرسلت إلى كندا فرقة تصفية مرتبطة بالدوائر الأمنية نفسها التي نفّذت لاحقاً اغتيال جمال خاشقجي، ثم تطوّر إلى ورقة ضغط أقسى حين اعتُقل اثنان من أبنائه في الرياض عام 2020، كرسالة مباشرة تقول إن المعركة ليست قانونية ولا مالية، بل وجودية وشخصية، وأن ثمن الرفض قد لا يُدفَع من الجبري وحده. وفي المقابل، أطلقت الدولة السعودية عبر ذراعها القانوني، شركة “سكب القابضة” المملوكة للحكومة، دعوى مدنية في كندا تتهمه بالاستيلاء على أكثر من خمسة مليارات دولار من الأموال العامة، في محاكمة من المتوقع أن تبدأ العام المقبل، حيث تصر الرياض على أن القضية لا علاقة لها بالسياسة، بينما يؤكد الجبري أنها محاولة لتلبيس تصفية سياسية عباءة قانونية، وإعادة تقديمه للعالم بصورة الفاسد الهارب، لا المسؤول السابق الذي يعرف أكثر مما يجب.

 

لكن المعركة لم تتوقف عند حدود كندا، بل انتقلت إلى الولايات المتحدة، حين تقدّم الجبري بطلب غير مسبوق إلى محكمة في ولاية فرجينيا، طالباً إلزام مسؤولين أمنيين أمريكيين سابقين بالإدلاء بشهادتهم للدفاع عنه، بهدف إثبات أن الأموال التي يتهم بالاستيلاء عليها لم تكن ثروة شخصية، بل ميزانيات صرفت في عمليات استخباراتية مشتركة مع واشنطن، مشاريع مكافحة الإرهاب، تنسيق العمليات، تمويل مصادر، ودعم ملفات لم تكن لتتم دون ضوء أخضر أمريكي مباشر وغير قابل للنقاش. هذا الطلب لم يكن قانونياً فحسب، بل زلزالاً سياسياً محتملاً، لأن قبوله يعني فتح ملفات عمليات أمنية شديدة الحساسية، وتحديداً تلك التي لا تريد أي إدارة أمريكية أن تُفك أختامها، خاصة في لحظة تعتمد فيها واشنطن على محمد بن سلمان كركيزة في ملفات النفط، وتوازنات الشرق الأوسط، وترتيبات ما بعد الحرب في عدة ساحات.

 

رد الفعل الأمريكي لم يكن مفاجئاً؛ وزارة العدل رفضت الطلب، وتمسكت باستخدام ذريعة “امتياز أسرار الدولة”، وهو مبدأ قانوني يسمح بحجب المعلومات عن المحاكم بحجة الأمن القومي، لكنه يُستخدم عملياً – كما يقول قانونيون أمريكيون – ليس لحماية الدولة فقط، بل لحماية الدولة من الإحراج أيضاً. هذا الامتياز الذي يفترض أن يكون مشرطاً دقيقاً لحماية الملفات الحساسة، تحوّل في العقود الأخيرة، بحسب توصيف باحثين، إلى مطرقة ثقيلة تُستخدم لدفن القضايا لا لتنظيم الوصول إليها، وخصوصاً عندما تتقاطع المصالح بين الحكومة الأمريكية وحلفائها الأقوياء في الخارج. في حالة الجبري، لا يتعلق الأمر بحماية وثائق أمنية وحسب، بل بحماية شبكة علاقات وتمويلات وشراكات لا تريد واشنطن ولا الرياض ولا أبوظبي أن تُسلّط عليها أضواء قاعة محكمة.

 

المفارقة الأكبر أن الجبري سبق أن رفع دعوى مباشرة في واشنطن عام 2020 يتهم فيها محمد بن سلمان بإعطاء أوامر باغتياله، لكنها سقطت عندما منحت إدارة ترامب لولي العهد حصانة قضائية بصفته مسؤولاً حكومياً أجنبياً، وهو القرار الذي كشف مبكراً أن خطوط التسوية في هذه القضية مرسومة سياسياً قبل أن تكون قانونية، وأن سقف المساءلة يتوقف عند حدود التحالفات الكبرى، لا عند حدود الوثائق والوقائع. اليوم، ومع كل جولة قانونية جديدة، تتسع هوة الصراع لتصبح أقل ارتباطاً بتهمة اختلاس أو إجراء قضائي، وأكثر ارتباطاً بسؤال أكبر: من يمتلك الرواية الأقوى، ومن يمتلك القدرة على منع الرواية الأخرى من الظهور أصلاً.

 

وفي المقابل، لم تعد الرياض تتعامل مع الملف باعتباره قضية قانونية، بل كجزء من معركة إعادة صياغة الداخل بعد صعود محمد بن سلمان، حيث يُعاد ترتيب السلطة على أساس الولاء المطلق، وتُستخدَم ملفات الفساد كسلاح سياسي انتقائي، لا كبرنامج مساءلة شامل. الجبري في هذا السياق ليس متَّهماً محلياً، بل شاهد ثقيل على حقبة كاملة من العمليات والاتفاقات الأمنية التي لا يُراد لها أن تُروى من داخله، خصوصاً وأنه لم يكن موظفاً ثانوياً، بل رجل الظل الذي نسّق مع CIA، وMI6، والأجهزة الغربية على أعلى المستويات، منخرطاً في ملفات لم تكن لتُدار دون مباركة مباشرة من البيت الأبيض والبنتاغون.

 

المحاكمة المقبلة في كندا ليست مجرد فصل قانوني، بل قد تكون لحظة اختبار لمن يملك مفاتيح السرد: هل ستنجح الرياض في تقديم الجبري كموظف فاسد نتيجة “نظام إداري فاشل”؟ أم سيحوّل الجبري المنصة القضائية إلى كشف سياسي استراتيجي يورّط أنظمةً وأجهزةً ودولاً؟ حتى الآن، يبدو أن واشنطن تميل إلى إغلاق الأبواب لا فتحها، وإلى تجميد الملفات لا تشريحها، وإلى حماية الحلفاء لا مساءلة الخصوم، وهو ما يضع الجبري أمام معادلة قاسية: إما أن يُدفن ملفه داخل أروقة المحاكم بتهمة الفساد، أو يُسمح له بإطلاق قنبلة الحقائق التي تهدد أكثر من مجرد شخص واحد أو نظام واحد.

 

القضية في جوهرها لم تعد عن رجل متهم ولا عن مليارات متنازع عليها، بل عن أسرار دولة، وحدود النفوذ، وخطوط التماس بين الحليف والعبء، وعن اللحظة التي يقرر فيها الحارس القديم أن يفتح السجلات المغلقة، بينما تحاول الحكومات أن تُبقيها إلى الأبد تحت الختم الأحمر. وفي النهاية، ليست المحاكمة هي ما سيُحدد مصير الجبري فحسب، بل السؤال الأكبر الذي لا تريد العواصم الكبرى سماعه بصوت عالٍ: ماذا يفعل العالم حين يقرر رجل واحد أن يتوقف عن الصمت؟