في مشهد يجسد أقصى درجات الانحطاط الأخلاقي والسياسي، وزّع الوزير الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير الحلوى داخل الكنيست احتفالاً بإقرار القراءة الأولى لمشروع قانون يسمح بتنفيذ أحكام الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين، في خطوة اعتُبرت بمثابة تشريع رسمي للقتل الجماعي تحت مظلة القانون الإسرائيلي.
![]()
تشريع الإعدام.. بوابة نحو المجازر القانونية
القانون الجديد، الذي مرّ في القراءة الأولى بأغلبية يمينية، يمنح المحاكم العسكرية والمدنية في إسرائيل صلاحية إصدار أحكام بالإعدام بحق من تصفهم بـ”الإرهابيين”، وهو توصيف فضفاض تستخدمه سلطات الاحتلال ضد أي فلسطيني يقاوم الاحتلال، سواء بالسلاح أو بالكلمة أو حتى عبر منشور على وسائل التواصل الاجتماعي.
يأتي هذا التطور في وقت تتزايد فيه التقارير الحقوقية عن ارتفاع غير مسبوق في أعداد القتلى بين الأسرى الفلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية، نتيجة التعذيب وسوء المعاملة والإهمال الطبي الممنهج، حتى قبل أن يُسن هذا القانون.
منظمات حقوق الإنسان، وعلى رأسها “هيومن رايتس ووتش” و”العفو الدولية”، حذّرت من أن تطبيق هذا القانون يعني بداية عهد جديد من الجرائم ضد الإنسانية، خصوصاً في ظل غياب أي معايير للعدالة داخل منظومة القضاء الإسرائيلي التي تدين الفلسطينيين بنسبة تتجاوز 99% وفق الإحصاءات الرسمية.
فمن يُحاكمون أمام هذه المحاكم لا يُمنحون فرص الدفاع الكافية، وغالباً ما يعتمد القضاة على “اعترافات” انتُزعت تحت التعذيب.
بن غفير.. الوجه الفاشي للاحتلال
إيتمار بن غفير، وزير “الأمن القومي” في حكومة نتنياهو، يُعتبر أحد أكثر الشخصيات تطرفاً في المشهد السياسي الإسرائيلي، وهو تلميذ مباشر للفكر الكهاني الذي يدعو لطرد العرب و”تطهير الأرض المقدسة” من الفلسطينيين.
هذا الرجل الذي كان يُحاكم في شبابه بتهم التحريض على العنصرية ودعم الإرهاب، صار اليوم يسن القوانين التي تشرعن الإبادة الجماعية.
تصرفه بتوزيع الحلوى بعد تمرير مشروع القانون لم يكن مجرد “احتفال سياسي”، بل رمز متعمد لتمجيد الموت، ورسالة إلى جمهوره اليميني المتعطش للدماء بأن حكومته ماضية في طريقها نحو “تصفية الوجود الفلسطيني” لا التفاوض معه.
وقد وصف نشطاء فلسطينيون المشهد بأنه “احتفال بالموت”، في حين قال مراقبون إن بن غفير يحاول استعادة شعبيته المتآكلة عبر تصعيد خطابه الدموي ضد الفلسطينيين.
من القتل الميداني إلى الإعدام المقنن
منذ اندلاع حرب الإبادة على غزة عام 2023، وثّقت منظمات دولية مقتل أكثر من 14 ألف فلسطيني خارج نطاق القانون، بينهم مئات الأسرى والمعتقلين الذين تم إعدامهم ميدانياً بعد أسرهم أو داخل المعتقلات.
لكن ما يفعله بن غفير اليوم هو نقل القتل من الميدان إلى قاعات المحاكم، وتحويله إلى “إجراء قانوني” يرضي الناخب اليميني الإسرائيلي ويُسكِت المجتمع الدولي بحجة أن الإعدامات تتم بـ”حكم قضائي”.
هذا التحول الخطير ينسف كل ما تبقى من ادعاءات إسرائيل بأنها “دولة قانون”، إذ إن القتل الذي كان يتم سراً أصبح اليوم مشروعاً رسمياً، بينما يُحرم الفلسطينيون من أبسط حقوق المحاكمة العادلة.
ويُخشى أن يفتح القانون الباب أمام تنفيذ الإعدامات في سجون النقب وعوفر ومجدو وغيرها من المعتقلات التي تحتجز آلاف الفلسطينيين دون تهم محددة.
ردود الفعل الفلسطينية والدولية
السلطة الفلسطينية وصفت القرار بأنه “جريمة حرب جديدة”، مؤكدة أن تشريع الإعدام بحق الأسرى هو جزء من سياسة إسرائيلية تهدف لإبادة الشعب الفلسطيني تدريجياً.
من جانبها، اعتبرت حركة حماس أن الخطوة “لن ترهب الفلسطينيين”، بل “ستزيدهم إصراراً على مقاومة الاحتلال”، مؤكدة أن أي مساس بالأسرى سيقابل بردّ ميداني قوي.
في المقابل، اكتفى الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة ببيانات “قلق” باهتة، فيما تجاهلت الولايات المتحدة، الحليف الأكبر لإسرائيل، كل الدعوات لوقف هذا التشريع، مكتفية بالقول إن “القانون ما زال في مراحله الأولية”.
هذا الصمت الدولي شجّع حكومة نتنياهو على المضي قدماً، إذ ترى في الانشغال العالمي بالحروب الأخرى فرصة لتمرير مزيد من السياسات الإجرامية.
نظام فصل عنصري يُشرعن القتل
ما يفعله بن غفير لا ينفصل عن طبيعة النظام الإسرائيلي نفسه، الذي بُني على العنف والاستعلاء العرقي.
فمنذ النكبة وحتى اليوم، يتعامل الاحتلال مع الفلسطينيين كـ”كائنات أدنى”، يمكن قتلها أو اعتقالها دون محاكمة.
أما اليوم، فقد تجاوزت إسرائيل مرحلة “الإنكار” إلى الاعتراف والفخر بالجريمة.
القانون الجديد لا يستهدف فقط الأسرى، بل يوجّه رسالة إلى العالم بأن إسرائيل لم تعد ترى نفسها مُلزمة بأي مواثيق دولية.
وبينما يدّعي بن غفير أنه “يحمي الأمن القومي”، فإن ما يفعله هو توسيع رقعة الدم والكراهية التي ستلاحق إسرائيل لعقود قادمة.
خاتمة: بن غفير وولادة إسرائيل الفاشية الجديدة
بابتسامته المريضة وقطعة الحلوى في يده، اختصر بن غفير مستقبل إسرائيل: دولة تفرح بالقتل، وتحتفل بالقانون حين يصبح سيفاً على رقاب الأبرياء.
إنها إسرائيل الجديدة، الفاشية المعلنة، التي لم تعد تخجل من الإبادة بل تشرعنها.
وفي ظل هذا الانحدار الأخلاقي غير المسبوق، يبقى السؤال الأشد إيلاماً:
إلى متى سيبقى العالم متفرجاً على دولةٍ تقتل ثم تُشرّع القتل؟
اقرأ أيضًا : شهيدان في غزة.. إسرائيل تواصل جرائمها رغم اتفاق التهدئة