في خطوة رمزية حملت أبعادًا سياسية وإنسانية واسعة، أعلن رئيس حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي دخوله في إضراب مفتوح عن الطعام من داخل زنزانته في سجن المرناقية، تضامنًا مع المعتقل السياسي جوهر بن مبارك، في ما بدا كرسالة احتجاج متعددة الاتجاهات، تستهدف الداخل والخارج على حد سواء، وتعيد تسليط الضوء على واقع الحريات المتدهور في عهد الرئيس قيس سعيد.

إضراب الغنوشي.. من التضامن إلى التحدي

الغنوشي، البالغ من العمر 83 عامًا، يعاني من أمراض مزمنة ويخضع لعلاج مستمر، ومع ذلك قرر خوض الإضراب رغم المخاطر الصحية الجدية، كما قال في رسالته من السجن: “أردت أن أوجّه مجموعة من الرسائل وأنا أخوض هذا الإضراب رغم أن وضعي الصحي لا يتحمل”.

الرسالة الأولى، كما أوضح، كانت تضامنًا مع بن مبارك، الذي يخوض بدوره إضرابًا وحشيًا عن الطعام منذ أكثر من أسبوع احتجاجًا على ما يصفه بـ”انهيار القضاء وغياب العدالة في تونس”. لكن خطوة الغنوشي تجاوزت البعد الإنساني لتصبح صرخة سياسية في وجه النظام الحاكم، ورسالة تحدٍ مباشرة للرئيس قيس سعيد، الذي يقود حملة قمع ضد معارضيه منذ انقلابه على الدستور في 25 يوليو 2021.

رسائل الغنوشي.. من الزنزانة إلى الوطن

في رسالته المؤثرة، وجّه الغنوشي كلمات تعكس عمق الأزمة السياسية في البلاد، إذ دعا إلى تجاوز الخلافات الأيديولوجية القديمة بين الإسلاميين واليساريين والقوميين، معتبرًا أن “الحرية أصبحت القضية الجامعة التي تعني الجميع في تونس”.

وأضاف أن ما يجري اليوم هو امتداد لصراعات عقيمة منذ سبعينيات القرن الماضي، وأن الوقت قد حان لطي صفحاتها من أجل “إنقاذ الوطن من الضياع”.

كما خاطب من وصفهم بـ”المناضلين الشرفاء من كل الاتجاهات”، داعيًا إلى وحدة الصف الوطني في مواجهة القمع، ومؤكدًا أن استمرار اعتقال الأصوات الحرة هو دليل على أن تونس تقف على حافة الهاوية السياسية والحقوقية.

بين الرمزية والمعاناة.. جوهر بن مبارك في مواجهة الموت

جوهر بن مبارك، الأكاديمي وأستاذ القانون الدستوري، يقبع في السجن منذ فبراير 2023، بعد اعتقاله في ما يُعرف بـ”ملف التآمر على أمن الدولة”، إلى جانب عدد من السياسيين والحقوقيين البارزين.

وبحسب هيئة دفاعه، فإن حالته الصحية تدهورت بشدة جراء إضرابه عن الطعام، حيث دخل مرحلة “الخطر الحقيقي على حياته”.

بن مبارك، المعروف بمواقفه الرافضة لمسار قيس سعيد، يمثل نموذجًا صارخًا لتحول تونس من تجربة ديمقراطية ناشئة إلى دولة بوليسية تُساق فيها المعارضة إلى الزنازين.

الغنوشي في رسالته لم يكتف بالتضامن الشخصي معه، بل اعتبر حالته “رمزًا لمعاناة كل الأحرار في تونس”، قائلًا: “مادام جوهر بن مبارك يموت أمام أنظارنا في محاكمات صورية، فذلك يعني أن تونس في خطر حقيقي”.

قمع قيس سعيد.. من الثورة إلى الثورة المضادة

منذ استيلاء قيس سعيد على السلطة، تعيش تونس واحدة من أحلك فتراتها السياسية. فبعد أن كانت تُضرب بها الأمثال في الانتقال الديمقراطي عقب ثورة 2011، تحولت تدريجيًا إلى نموذج للاستبداد المقنّع.

أُغلِق البرلمان، وتم اعتقال العشرات من القادة السياسيين والنقابيين والصحفيين، في حين أحكم الرئيس قبضته على القضاء والإعلام.

الغنوشي، الذي حُكم عليه بالسجن في قضايا وُصفت بأنها سياسية، يمثل رأس الحربة في حملة تصفية المعارضة. ومن داخل السجن، يواصل الزعيم الإسلامي إرسال رسائل المقاومة السلمية ضد الاستبداد، مستندًا إلى رمزية تمتد إلى تاريخه الطويل في النضال ضد نظامي بورقيبة وبن علي.

رسائله الأخيرة ليست مجرد نداء إنساني، بل إعلان بأن ما يجري اليوم هو “ثورة مضادة لثورة 17 ديسمبر – 14 يناير”، وفق تعبيره، في إشارة إلى ثورة الحرية والكرامة التي أطاحت بالديكتاتورية قبل أكثر من عقد.

الإسلاميون واليساريون.. وحدة الوجع أمام السجون

المفارقة الأبرز في المشهد التونسي اليوم، أن أبرز السجناء السياسيين، جوهر بن مبارك (اليساري)، وعصام الشابي (الليبرالي)، وراشد الغنوشي (الإسلامي)، جميعهم يخوضون معركة مشتركة ضد القمع ذاته.

فقد أعلن الشابي بدوره دخوله في إضراب تضامني مع بن مبارك، في مشهد يعكس وحدة مصير المعارضة رغم تباين مشاربها الفكرية.

هذه اللحظة، التي أراد الغنوشي أن يلتقطها عبر رسالته، تعبّر عن محاولة لإعادة بناء جبهة وطنية عريضة تتجاوز خطوط الانقسام القديمة بين الإسلاميين والعلمانيين، بعد أن وحّدهم سجن قيس سعيد.

تونس التي تنادي أبناءها

رسالة الغنوشي الأخيرة هي أكثر من نداء شخصي، إنها وثيقة سياسية وإنسانية تُعبّر عن حالة وطنية مأزومة.

فحين يقول: “تونس تناديكم إلى طي ملف الصراعات والتجند للدفاع عنها”، فإنه يُذكّر التونسيين بأن قضيتهم الحقيقية لم تعد في الصراع على السلطة، بل في استعادة الحرية المسلوبة.

الغنوشي، الذي أدرك أن سجنه ليس نهاية المعركة، اختار أن يحوّل إضرابه إلى سلاح رمزي يفضح واقع القمع ويعيد إحياء الضمير الوطني.

وفي بلد تتسارع فيه خطوات التراجع الديمقراطي، تبدو رسالته بمثابة صرخة وعي في وجه الصمت المطبق، ورسالة من خلف القضبان تقول إن الحرية لا تموت حتى لو حوصرت أجساد أصحابها في الزنازين.

خلاصة:

يخوض الغنوشي إضرابه ليس من أجل بن مبارك وحده، بل من أجل تونس التي فقدت بوصلتها.

ومن زنزانته الضيقة، يبعث الزعيم الثمانيني برسالة واضحة لقيس سعيد:

يمكنك أن تسجن الجسد، لكنك لا تستطيع أن تطفئ صوت الحرية.

اقرأ أيضًا : شهيدان في غزة.. إسرائيل تواصل جرائمها رغم اتفاق التهدئة