في مقابلة مطوّلة مع قناة الجزيرة، أطلق وزير الصحة السوداني د. هيثم محمد إبراهيم واحدًا من أكثر التحذيرات صراحة منذ اندلاع الحرب قبل أكثر من عام، مؤكدًا أن عدد النازحين تجاوز 10 ملايين شخص خلال العامين الأولين من النزاع، وأن الوضع الإنساني يتدهور بوتيرة متسارعة، خصوصًا مع استمرار حصار مدينة الفاشر وتمدّد القتال إلى مناطق جديدة في دارفور وكردفان.
ومع هذا التصعيد، حمّل الوزير ضمناً مسؤولية تأجيج الحرب للقوى الإقليمية الداعمة للأطراف المتصارعة، وعلى رأسها محمد بن زايد الذي وُجّهت إليه اتهامات دولية متكرّرة بدعم قوات الدعم السريع بالسلاح والمال.

10 ملايين نازح.. حرب بلا أفق وتفاقم غير مسبوق للأزمة الإنسانية
قال الوزير إن الحرب دفعت إلى أكبر موجة نزوح في تاريخ السودان الحديث، موضحًا أن الأعداد المسجلة رسميًا “تجاوزت 10 ملايين نازح”، بينما تستقبل الولايات الشرقية والشمالية والوسطى ما بين 70% إلى 80% من موجات النازحين، وهي ولايات تعاني أصلاً من هشاشة البنية التحتية وضعف الخدمات الصحية.
وأشار إلى أن الانتهاكات الواسعة في الفاشر خلال الأسابيع الماضية أدّت إلى نزوح عشرات الآلاف من شمال دارفور وغرب كردفان، لافتًا إلى وصول موجات جديدة إلى ولايات الوسط، وهو ما يضغط على الخدمات الصحية المحدودة هناك.
وتابع الوزير أن 40 ألف أسرة — معظمها من النساء والأطفال — وصلت إلى أكبر معسكرات النزوح في شمال كردفان بعد فرارها من غرب كردفان، من مدينة الفاشر نفسها، ومن مدينة بارا. وأضاف أن عدد النازحين في الأُبيض وحدها تضاعف خلال الأسابيع الأخيرة، مع دخول أكثر من 130 ألف أسرة إضافية من مناطق القتال.
مسارات إنسانية مغلقة.. ونداءات بلا استجابة منذ 500 يوم
أكّد الوزير أن وزارة الصحة ظلّت تطلق النداءات منذ الأيام الأولى للحرب لفتح مسارات إنسانية وصحية تتيح دخول الأدوية والغذاء والمياه، وخاصة نحو مدينة الفاشر المحاصرة منذ أشهر.
وقال:
“أطلقنا نداءً متكرّرًا لأكثر من 500 يوم لفتح مسارات الفاشر، لكن دون استجابة من قوات الدعم السريع”.
وأشار إلى أن 15 منظمة دولية ووكالة أممية تساعد في تقديم الخدمات الصحية والمياه والإصحاح البيئي في مناطق سيطرة القوات المسلحة، لكنها — بحسب تعبيره — “لا تستطيع مجاراة حجم الاحتياجات الهائل”.
كما شدد على أن الإصحاح البيئي داخل معسكرات النزوح بات مهددًا بالانهيار، خصوصًا في ظل تكدّس الأسر وقرب موسم الأمطار، وهو ما قد يفتح الباب أمام انتشار الأوبئة.
اتهامات صريحة للدعم السريع: 400 قتيل داخل المستشفى
كشف وزير الصحة عن واحدة من أخطر الجرائم التي هزّت البلاد، مؤكداً أن قوات الدعم السريع قتلت أكثر من 400 شخص داخل مستشفى الفاشر عقب اقتحامها للمدينة، إلى جانب قتل وتشريد الكوادر الطبية وتخريب البنية الصحية.
وقال إن هذا السلوك “امتداد لانتهاكات ممنهجة” ارتكبتها القوات ذاتها في الخرطوم والجزيرة ودارفور، معتبرًا أن ما حدث في المستشفى دليل على استهداف المدنيين ومؤسسات الدولة بشكل مباشر.
وأضاف:
“أصوات السودانيين اليوم موحّدة ضد هذه الانتهاكات، وهذا ما يعكسه موقف البرهان”.
البرهان يعلن التعبئة العامة.. والوزير: ما يقوله هو صوت كل سوداني
في سياق متصل، علّق وزير الصحة على إعلان رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان التعبئة العامة، معتبرًا أن دعوته السودانيين القادرين على حمل السلاح هي “صوت كل من عانى من انتهاكات الدعم السريع”.
وكان البرهان قد أعلن — في خطاب الجمعة — رفضه لأي وساطة قبل نزع سلاح قوات الدعم السريع، داعيًا الشعب إلى الانخراط في القتال، ومؤكدًا أن القوات المسلحة تخوض “معركة وجود”.
ويرى الوزير أن الأزمة لن تجد طريقًا للحل دون “موقف دولي صادق” ينهي الحرب، مشيرًا إلى أن الصراع لا يُشعل من الداخل فقط، بل هناك “أيدٍ خارجية” تغذّيه وتطيل أمده، في إشارة ضمنية إلى الدعم الإماراتي للدعم السريع الذي تتحدث عنه تقارير أممية وغربية منذ أكثر من عام.
وقال:
“الحرب اشتعلت من الخارج أكثر مما اشتعلت من الداخل، وهذا ما زاد شرارتها”.
دور بن زايد في إذكاء الحرب.. صمت دولي وتبعات مدمّرة
على الرغم من أن الوزير لم يذكر اسم دولة بعينها، إلا أن الاتهامات الدولية الأخيرة — خصوصًا من الولايات المتحدة والأمم المتحدة — تضع الإمارات ومحمد بن زايد في قلب الاتهام بدعم قوات الدعم السريع بالسلاح والمال عبر خطوط تهريب تمتد من ليبيا وتشاد وحتى القرن الأفريقي.
وقد أدى هذا الدعم — وفق خبراء ومحققين أمميين — إلى استمرار الحرب وتوسع رقعتها، وإلى الكارثة الإنسانية التي يعيشها السودان اليوم.
إن استمرار إغلاق المسارات الإنسانية، واستمرار حركة الإمدادات العسكرية، يعني — بحسب الوزير — أن النزوح سيستمر، وأن عدد الـ10 ملايين قد يصبح قريبًا “بداية الأزمة لا ذروتها”.
خلاصة
يرسم وزير الصحة السوداني صورة قاتمة للوضع الإنساني:
نزوح جماعي، انهيار الخدمات، مستشفيات محاصرة، وجرائم موثقة، في مقابل غياب إرادة دولية حقيقية لوقف الحرب، واستمرار الدعم الخارجي — وعلى رأسه دعم الإمارات — في صبّ الزيت على نار الصراع.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو السودان مقبلًا على مرحلة أكثر مأساوية ما لم تُفتح المسارات الإنسانية فورًا ويُوقف تدفق السلاح إلى أطراف النزاع.
اقرأ أيضًا : فضيحة جنسية لتوم باراك.. رسائل إبستين تكشف انحطاط رجل وصف العرب بـ”الحيوانات”