حذّرت الأمم المتحدة من كارثة إنسانية غير مسبوقة في إقليم دارفور، بعدما أعلنت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين أن عشرات الآلاف من المدنيين الذين فرّوا من مدينة الفاشر ما زالوا في عداد المفقودين، في ظل تقارير عن قتل ميداني واغتصاب وهجمات بطائرات مسيّرة على طرق الهروب.
وتؤكد منظمات دولية أن ما يجري ليس مجرد موجة نزوح، بل عملية تطهير ديموغرافي ممنهجة، تتغذّى على استمرار الدعم الخارجي لقوات الدعم السريع، وعلى رأسه الإمارات التي تتهمها تقارير أممية وإعلامية بإمداد الميليشيا بالأسلحة والطائرات المسيّرة عبر طرق غير شرعية.
ورغم توثيق فرار نحو 100 ألف شخص من الفاشر بعد سقوطها بيد قوات الدعم السريع، لم تتمكن الأمم المتحدة من إحصاء سوى 10 آلاف في مراكز الوصول، بينما يظل 90 ألفاً بلا أي أثر.

روايات مروّعة: موت في الطريق وجوع في البراري
يروي الفارّون من الفاشر مشاهد تقشعر لها الأبدان:
- مدنيون يُطلق عليهم الرصاص في الشوارع.
- محاولات فرار تُستهدف بطائرات مسيّرة.
- نساء يلتقطن أوراق الشجر والتوت البري لغليه وصنع حساء بدائي لإطعام الأطفال.
وتقول جاكلين ويلما بارليفليت، رئيسة مكتب المفوضية في بورتسودان، إن “أعداداً كبيرة من الفارين تقطعت بهم السبل ولا يستطيعون التحرك بسبب الخطر، أو خوفاً من إعادتهم قسراً إلى الفاشر”.
وتضيف أن طرق الهروب باتت أطول وأخطر، إذ يتجنب الناس الطرق المعروفة لاحتوائها على نقاط تفتيش تابعة للمسلحين.
بعضهم قطع ألف كيلومتر للوصول إلى مدينة الدبة شمال السودان، بينما ظل الآلاف محاصرين داخل الفاشر أو في محيطها، ممنوعين من المغادرة أو بلا وسائل للهرب
الإمارات… المتهم الأكبر في تغذية آلة الحرب
تأتي هذه المأساة في وقت تزداد فيه الاتهامات الدولية الموجهة إلى الإمارات بشأن دورها في تأجيج حرب دارفور عبر تقديم دعم عسكري ولوجستي لقوات الدعم السريع.
وتشير تقارير أممية وصحفية إلى أن أبوظبي وفّرت:
- أسلحة خفيفة وثقيلة
- إمدادات لوجستية
- طائرات مسيّرة
- تمويلات مالية
وكلها عناصر مكّنت قوات الدعم السريع من توسيع نفوذها وارتكاب انتهاكات واسعة، من بينها عمليات قتل جماعي، واغتصاب ممنهج، وإخفاء قسري لآلاف المدنيين.
ومع توسّع سيطرة الميليشيا، تحولت الفاشر إلى مركز تهجير قسري، فيما يعتبره مراقبون نتيجة مباشرة لتسليح خارجي غير منضبط تقوده الإمارات.
امتداد الحرب من دارفور إلى كردفان
لا تقف تداعيات الصراع عند حدود الفاشر. فمع تقدم الدعم السريع غرباً، انتقل القتال إلى إقليم كردفان الذي يمثل منطقة فاصلة بين دارفور والولايات الشرقية.
وتخشى الأمم المتحدة من أن يؤدي ذلك إلى موجة نزوح جديدة، تضاعف حجم الكارثة، خاصة مع انهيار مرافق الصحة والخدمات، وغياب أي ممرات إنسانية آمنة.
تحركات أممية عاجلة: “لا نريد مسارات متوازية”
في سياق التحركات الدولية، كشفت شيرين ياسين، مساعدة المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، أن فريق المبعوث رمطان لعمامرة يجري مشاورات مع الاتحاد الأفريقي لعقد اجتماع عاجل للجنة الرباعية:
الأمم المتحدة
- الاتحاد الأفريقي
- الإيغاد
- جامعة الدول العربية
كما ينسّق لعمامرة جهوده مع المجموعة الرباعية (مصر – السعودية – الإمارات – الولايات المتحدة)، بهدف توحيد المسارات الدبلوماسية ومنع تشتتها.
لكنّ محللين يرون أن نجاح أي تحرك أممي يبقى مرهوناً بوقف تدفّق السلاح إلى الميليشيات، وخاصة الإمدادات الإماراتية التي تشكّل العمود الفقري لقدرات الدعم السريع القتالية.
الفاشر… مدينة تموت ببطء
بحسب الأمم المتحدة، ازداد الوضع في الفاشر سوءاً منذ أواخر أكتوبر، مع فرار عشرات الآلاف وتفاقم الاحتياجات الإنسانية:
- نقص حاد في الغذاء والمياه
- مستشفيات مدمّرة أو مغلقة
- انتشار الجثث في المناطق السكنية
غياب أي حماية للسكان
وتطالب المفوضية بالسماح الفوري بالمغادرة الآمنة للعالقين، وتوفير ممرات إنسانية، وضمان وصول الغذاء والمياه والخدمات الأساسية.
المحاسبة… والمسؤولية عن التسليح
دعت شيرين ياسين إلى محاسبة كل من “أمر أو نفّذ” جرائم القتل والعنف الجنسي، مؤكدة أن المسؤولية لا تتوقف عند مرتكبي الجرائم، بل تشمل كل من زوّدهم بالسلاح والدعم.
وهو تصريح يُقرأ بوضوح على أنه رسالة موجهة للدول التي دعمت قوات الدعم السريع، وفي مقدمتها الإمارات، التي تُتهم بتأجيج الحرب وإطالة أمد معاناة السكان
خاتمة: كارثة تُصنع… وصمت يُشارك
اختفاء عشرات الآلاف من نازحي الفاشر ليس حدثاً عابراً، بل جرس إنذار لإبادة جماعية جديدة قد تتشكل بصمت.
وما لم يتوقف تدفق السلاح—خصوصاً عبر القنوات الإماراتية—وما لم يُفرض ضغط دولي حقيقي على الأطراف المتحاربة، ستواصل دارفور النزيف، وسيستمر آلاف المدنيين في الاختفاء دون أثر.
الكارثة لم تعد “إنسانية” فقط… بل سياسية وصناعة إقليمية، يدفع ثمنها الأبرياء.
اقرأ أيضًا : فضيحة جنسية لتوم باراك.. رسائل إبستين تكشف انحطاط رجل وصف العرب بـ”الحيوانات”